فجوة ثقة في السوق الرقمي السعودي
في وقت يشهد فيه قطاع التجارة الإلكترونية نمواً متسارعاً في المملكة العربية السعودية، كشفت دراسة بحثية حديثة أجراها باحثون من جامعة الملك عبد العزيز عن حقيقة مقلقة، حيث أن الغالبية العظمى من مواقع التجارة الإلكترونية العاملة في المملكة لا تفي بالمتطلبات الأساسية لنظام حماية البيانات الشخصية. وأظهرت النتائج أن 31% فقط من المتاجر التي شملها التحليل استوفت بشكل كامل المتطلبات الأربعة الرئيسية التي تناولتها الدراسة، مما يثير تساؤلات جدية حول مدى أمان وخصوصية بيانات المتسوقين عبر الإنترنت، ويؤكد على أهمية تعزيز معايير حماية البيانات الشخصية في المتاجر الإلكترونية.
تفاصيل الدراسة: أرقام تكشف حجم المشكلة
الدراسة التي أعدتها الباحثتان إيمان العشولي وعبير الهذيلي، قامت بتحليل سياسات الخصوصية لمئة من أبرز مواقع التجارة الإلكترونية في السعودية. استند التحليل إلى أربعة معايير أساسية مستمدة من حقوق المستخدمين في نظام حماية البيانات: الإفصاح عن مدة الاحتفاظ بالبيانات، حق المستخدم في طلب إتلاف بياناته، حقه في الحصول على نسخة منها، وتوفير آلية واضحة لتقديم الشكاوى. كانت النتائج صادمة؛ حيث أن 9% من المواقع لم توفر سياسة خصوصية من الأساس، بينما قدمت 31% منها سياسات لم تتضمن أياً من هذه الحقوق الأساسية. وحتى ضمن المواقع التي ذكرت هذه الحقوق، رصدت الدراسة قصوراً كبيراً في التفاصيل الإجرائية، إذ لم تحدد 82% من السياسات مدة زمنية للرد على طلبات إتلاف البيانات، وأغفلت 89% تحديد مدة معالجة الشكاوى.
نمو التجارة الإلكترونية وتحديات حماية البيانات الشخصية في المتاجر الإلكترونية
يأتي هذا الكشف في سياق تاريخي مهم. فقد شهدت المملكة، تماشياً مع أهداف رؤية 2030 والتحولات التي فرضتها جائحة كورونا، طفرة هائلة في التجارة الرقمية، مما أدى إلى جمع كميات ضخمة من بيانات المستخدمين. استجابةً لذلك، أطلقت المملكة نظام حماية البيانات الشخصية (PDPL) بهدف تنظيم عملية معالجة البيانات وبناء اقتصاد رقمي قائم على الثقة. وتوضح هذه الدراسة أن هناك فجوة كبيرة بين التشريعات الطموحة والتطبيق الفعلي على أرض الواقع. إن أهمية هذا الامتثال تتجاوز مجرد الالتزام القانوني؛ فهي تمس صميم أمن المستهلك لحمايته من الاحتيال وسرقة الهوية، كما أنها ضرورية لتعزيز سمعة السوق السعودي الرقمي وجذب الاستثمارات العالمية.
مفارقة مقلقة: الأكثر ظهوراً هم الأقل امتثالاً
من أبرز ما كشفته الدراسة هو أن المتاجر الأعلى ظهوراً في نتائج البحث كانت الأكثر تسجيلاً لعدم الامتثال بنسبة بلغت 60%. كما أظهرت النتائج أن 70% من المتاجر المستضافة على منصات تجارة إلكترونية محلية صُنفت كغير ممتثلة. ورجحت الباحثتان أن يكون السبب هو نقص الوعي لدى أصحاب هذه المتاجر أو اعتقادهم الخاطئ بأن منصة الاستضافة هي من تتحمل مسؤولية حماية بيانات العملاء، في حين أن مالك المتجر يظل هو المسؤول الأساسي بوصفه “المتحكم في البيانات”. ودعت الدراسة إلى تعزيز الرقابة المستمرة، وتوفير أدلة ونماذج مبسطة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، ورفع وعي أصحاب المتاجر والمستخدمين على حد سواء بحقوق حماية البيانات وآليات ممارستها.


