دخل التصعيد بين واشنطن وطهران مرحلة حرجة وغير مسبوقة بعد انهيار وقف إطلاق النار الهش، مما يضع القوتين على حافة مواجهة عسكرية واسعة النطاق قد تشعل منطقة الشرق الأوسط بأكملها. ومع تبادل الضربات الذي تجاوز المواقع العسكرية ليشمل البنى التحتية الحيوية، يحذر مراقبون من أن أي خطأ في الحسابات قد يقود إلى حرب يصعب على الطرفين احتواؤها، رغم التكاليف السياسية والاقتصادية الباهظة التي تلوح في الأفق لكليهما.
جذور التوتر: صراع يمتد لعقود
لم تبدأ الأزمة الحالية من فراغ، بل هي نتاج عقود من العداء والريبة المتبادلة التي تعود جذورها إلى الثورة الإسلامية في إيران عام 1979. ومنذ ذلك الحين، انخرط البلدان في “حرب ظل” معقدة، شملت دعم وكلاء في المنطقة، وهجمات سيبرانية، ومواجهات بحرية متقطعة. وقد شهدت هذه العلاقة المتوترة محاولة للانفراج عبر الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) في عام 2015، لكن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق في عهد الرئيس دونالد ترامب أعاد التوترات إلى ذروتها، وفرض عقوبات اقتصادية قاسية على طهران مهدت الطريق للتصعيد الحالي.
حافة الهاوية: كيف وصل التصعيد بين واشنطن وطهران إلى ذروته؟
في الأيام الأخيرة، اتسعت دائرة الضربات المتبادلة بشكل خطير. شنت واشنطن غارات على طرق وبنى تحتية في جنوب إيران، مما أسفر عن سقوط ضحايا مدنيين وأثار تكهنات حول تمهيدها لعملية برية محتملة. في المقابل، استهدفت إيران القوات الأمريكية في الأردن، مما أدى إلى مقتل جنديين أمريكيين وإصابة العشرات، في تطور رفع الكلفة البشرية للصراع وزاد الضغوط على إدارة الرئيس دونالد ترامب للرد بقوة. هذا التوسع في بنك الأهداف ليشمل منشآت المياه والتحلية يهدد إمدادات الكهرباء والمياه في مناطق حيوية من الخليج، بالتزامن مع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز الاستراتيجي.
تداعيات عالمية: ما وراء المواجهة المباشرة
إن أي مواجهة عسكرية مباشرة لن تكون محصورة بين البلدين، بل ستمتد تداعياتها لتهدد الاستقرار الإقليمي والعالمي. يعتبر مضيق هرمز شرياناً حيوياً يمر عبره ما يقرب من خُمس استهلاك النفط العالمي، وأي إغلاق له أو عسكرة للمنطقة سيؤدي إلى ارتفاع هائل في أسعار الطاقة ودخول الاقتصاد العالمي في أزمة جديدة. كما أن الصراع المفتوح قد يجر أطرافاً إقليمية أخرى، مما يحول المواجهة الثنائية إلى حرب إقليمية مدمرة. وفي هذا السياق، وصفت إيلي جيرانمايه، الباحثة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، الموقف بأن الطرفين وصلا إلى “لحظة حاسمة”، فإما العودة للمسار الدبلوماسي أو الانزلاق نحو تصعيد خارج عن السيطرة.
حرب استنزاف مكلفة للجميع
يؤكد محللون أن التصعيد الحالي يحمل أثماناً باهظة للطرفين. فالاقتصاد الإيراني، الذي يعاني أصلاً تحت وطأة العقوبات، يواجه الآن دماراً إضافياً في بنيته التحتية وحصاراً بحرياً خانقاً. وعلى الصعيد الداخلي، بدأت الأصوات الرافضة للحرب تتعالى، حيث وقعت 268 شخصية عامة عريضة بعنوان “لا للحرب”، مما يضع الحكومة الإيرانية أمام تحدي إقناع شعبها بجدوى مواصلة القتال في ظل تدهور الأوضاع المعيشية. أما في واشنطن، فإن أي حرب طويلة الأمد قد تؤثر سلباً على حظوظ الرئيس ترامب في انتخابات التجديد النصفي وتستنزف موارد اقتصادية وعسكرية هائلة. ووصف الباحث حميد رضا عزيزي الصراع بأنه تحول إلى “حرب استنزاف وسباق مع الزمن”، حيث يسعى كل طرف لتحسين موقعه التفاوضي المستقبلي عبر تكثيف هجماته الحالية، في حلقة مفرغة من العنف قد لا يخرج منها أي طرف منتصراً.


