في ظل التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، تتعالى الأصوات الدولية والإقليمية داعيةً طهران إلى تغليب صوت الحكمة والعودة إلى مسار المفاوضات. لا يزال الأمل معقوداً على استجابة إيران للجهود الدبلوماسية، مثل وساطات باكستان وقطر، لوضع حد للنزاعات التي تستنزف قدرات البلاد وتزيد من معاناة شعبها. إن الفرصة ما زالت سانحة للعودة إلى التفاهمات التي يمكن أن تؤسس لسلام عادل ودائم، بدلاً من الانزلاق نحو مواجهة شاملة ستكون تداعياتها كارثية على الجميع. فهل تختار القيادة الإيرانية طريق التهدئة أم تستمر في تبني السياسة الإيرانية الحالية التي تزيد من عزلتها؟
جذور التوتر: نظرة على سياق الأزمة
لفهم الوضع الحالي، لا بد من العودة إلى جذور التوتر التي تغذي المشهد. تمثل الاتفاقية النووية لعام 2015 (خطة العمل الشاملة المشتركة) نقطة محورية في علاقة إيران بالقوى العالمية. فقد قدم الاتفاق تخفيفاً للعقوبات الاقتصادية مقابل قيود صارمة على برنامج إيران النووي. لكن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاقية في عام 2018 في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، وإعادة فرض عقوبات قاسية ضمن حملة “الضغط الأقصى”، أدى إلى تدهور الوضع بشكل كبير. ردت طهران على ذلك بتقليص التزاماتها بموجب الاتفاقية وزيادة أنشطتها النووية، مما أثار قلق القوى الإقليمية والدولية وأعاد شبح السباق نحو التسلح النووي إلى المنطقة.
تداعيات السياسة الإيرانية على المنطقة والعالم
إن استمرار النهج الحالي لا يهدد إيران فحسب، بل يزعزع استقرار منطقة الشرق الأوسط بأسرها، والتي تعد شرياناً حيوياً لإمدادات الطاقة العالمية. أي صراع واسع النطاق قد يهدد الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من نفط العالم، مما سيؤدي إلى ارتفاع هائل في أسعار الطاقة ويزيد من التحديات الاقتصادية العالمية. كما أن سياسات إيران المتمثلة في دعم جماعات مسلحة بالوكالة في دول مثل اليمن وسوريا ولبنان والعراق، تزيد من تأجيج الصراعات الطائفية وتعيق جهود بناء الدولة والاستقرار في هذه البلدان. هذا التدخل يثير قلق دول الجوار، خاصة دول الخليج العربية، التي تؤكد باستمرار أنها لا تسعى للحرب، لكنها في الوقت ذاته تتخذ إجراءات للدفاع عن أمنها وسيادتها.
طريق الحكمة: دعوات للتهدئة والعودة للمفاوضات
إن العناد والمكابرة من جانب طهران لن يخدم مصالحها على المدى الطويل. فقد أدت هذه السياسات إلى فرض حصار اقتصادي خانق أثر بشكل مباشر على حياة المواطنين الإيرانيين، كما عرّض البنية التحتية للبلاد لضربات عسكرية متكررة. إن استهداف دول سعت تاريخياً للوساطة ولعب دور إيجابي، مثل سلطنة عُمان، يعد خطوة غير مبررة تقوض الثقة وتسيء للعلاقات المبنية على أسس الجوار والتاريخ المشترك. لقد حان الوقت لتستجيب طهران لصوت العقل، وتدرك أن أمنها وازدهارها لا يمكن تحقيقهما عبر الهيمنة وتجييش الميليشيات، بل من خلال بناء علاقات سلمية قائمة على الاحترام المتبادل وحسن الجوار. إن الانخراط في حوار جاد وصادق هو السبيل الوحيد لحل المشكلات العالقة، بما في ذلك الملف النووي، وتحقيق مستقبل أفضل للشعب الإيراني والمنطقة بأكملها.


