في خطوة تمثل تصعيداً جديداً في العلاقات المتوترة بين واشنطن والخرطوم، أعلنت الإدارة الأمريكية عن دخول حزمة عقوبات أمريكية على السودان حيز التنفيذ، وذلك على خلفية اتهامات باستخدام أسلحة كيميائية في النزاع الأهلي المدمر الذي يعصف بالبلاد. يأتي هذا القرار ليعمق الأزمة السودانية ويزيد من الضغوط الدولية على الأطراف المتحاربة، في وقت تتفاقم فيه الكارثة الإنسانية وتتعثر فيه كل جهود الوساطة الإقليمية والدولية.
يستند القرار الأمريكي إلى ما وصفته واشنطن بـ”مراجعة دقيقة” خلصت إلى أن الحكومة السودانية لم تستوفِ الشروط المنصوص عليها في قانون مكافحة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية الأمريكي. وكانت الولايات المتحدة قد وجهت اتهامات سابقة للجيش السوداني باستخدام أسلحة محظورة دولياً خلال الصراع الدائر مع قوات الدعم السريع منذ أبريل 2023، وهي اتهامات نفتها الخرطوم بشكل قاطع، مطالبة بتقديم أدلة ملموسة.
جذور الصراع وتاريخ العقوبات
لم تكن العلاقات بين الولايات المتحدة والسودان ودية على الدوام، فقد مرت بعقود من التوتر والعقوبات. منذ تسعينيات القرن الماضي، فرضت واشنطن عقوبات قاسية على نظام الرئيس السابق عمر البشير بسبب اتهامات بدعم الإرهاب وانتهاكات حقوق الإنسان، خاصة خلال نزاع دارفور. ورغم رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب في عام 2020 كجزء من عملية الانتقال الديمقراطي، إلا أن اندلاع الحرب الحالية بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) أعاد العلاقات إلى مربع التوتر. لقد دمرت هذه الحرب البنية التحتية للبلاد، وأدت إلى مقتل عشرات الآلاف وتشريد أكثر من 8 ملايين شخص، مما خلق أسوأ أزمة نزوح في العالم.
تداعيات العقوبات الأمريكية على السودان وآفاق الحل
تختلف هذه الحزمة الجديدة من العقوبات عن سابقاتها كونها ترتبط مباشرة بقانون محدد يتعلق بأسلحة الدمار الشامل. يمنح هذا القانون الإدارة الأمريكية صلاحية فرض قيود اقتصادية ومالية متدرجة وشديدة على أي دولة يثبت استخدامها لهذه الأسلحة. من المتوقع أن تستهدف العقوبات كيانات وأفراداً في المؤسسة العسكرية والحكومية، مما قد يزيد من عزلة السودان الاقتصادية ويعرقل قدرته على الوصول إلى النظام المالي العالمي. وفي المقابل، نفت الحكومة السودانية مجدداً هذه المزاعم، وأعلنت عن تشكيل لجنة وطنية للتحقيق في الأمر، مؤكدة أن هذه الاتهامات تفتقر إلى الأدلة وتستخدم كأداة للضغط السياسي. يرى مراقبون أن هذا التصعيد قد يدفع الأطراف المتحاربة نحو مزيد من التصلب، أو قد يشكل، على النقيض، ورقة ضغط حاسمة لإجبارهم على العودة إلى طاولة المفاوضات التي ترعاها أطراف دولية وإقليمية، والتي لم تحقق أي اختراق يذكر حتى الآن.


