كشفت دراسة سعودية حديثة أن ثلاثة من كل أربعة مواطنين سعوديين يستخدمون المنصات الصحية الرقمية لإدارة شؤونهم الصحية، وهو ما يعكس تسارع وتيرة التحول الرقمي في قطاع الرعاية الصحية بالمملكة، تماشياً مع مستهدفات رؤية 2030. وأظهرت الدراسة التي أجرتها كلية التمريض في جامعة تبوك، أن 75% من المشاركين يعتمدون على هذه المنصات بشكل دائم أو متقطع، بينما يمتلك 71.7% منهم ملفات طبية نشطة، مما يشير إلى تنامي الوعي الصحي الرقمي لدى المجتمع.
تأتي هذه الأرقام في سياق جهود وطنية واسعة لتطوير البنية التحتية التكنولوجية للقطاع الصحي، حيث أطلقت وزارة الصحة والجهات ذات العلاقة العديد من التطبيقات والمنصات مثل “صحتي” و”موعد” لتسهيل وصول المواطنين والمقيمين إلى الخدمات الطبية، بدءاً من حجز المواعيد وصولاً إلى الحصول على الاستشارات عن بعد والاطلاع على التقارير الطبية. ويهدف هذا التوجه إلى تحسين جودة وكفاءة الخدمات الصحية، وتقليل الأعباء على المنشآت الطبية، وتمكين الأفراد من لعب دور أكثر فاعلية في إدارة صحتهم الشخصية.
مؤشرات التحول الرقمي في القطاع الصحي
وفقاً للدراسة التي نُشرت في المجلة الدولية “Frontiers in Public Health”، وشملت عينة من 420 سعودياً وسعودية من مختلف مناطق المملكة، فإن 37.1% يستخدمون المنصات الصحية دائماً، و37.9% يستخدمونها أحياناً. كما كشفت النتائج تفضيلاً واضحاً للقطاع الصحي الحكومي، حيث أفاد 56.4% من المشاركين بأنهم يفضلون تلقي الاستشارة والعلاج في المستشفيات والمراكز الصحية الحكومية، مقابل 33.8% فضلوا القطاع الخاص. هذه الأرقام لا تعكس فقط مدى انتشار استخدام التكنولوجيا، بل أيضاً مستوى الثقة في المنظومة الصحية الحكومية.
كما ألقت الدراسة الضوء على مفهوم “التمكين الصحي”، الذي يُعنى بقدرة الفرد على تحديد أهدافه الصحية، واتخاذ القرارات المتعلقة بعلاجه، وطلب الدعم عند الحاجة. وقد سجل الرجال متوسطاً أعلى في هذا المقياس مقارنة بالنساء، مما استدعى توصية من الباحثين بضرورة تصميم برامج صحية أكثر استجابة لاحتياجات المرأة.
فجوة التمكين الصحي ودور المنصات الصحية الرقمية
أحد أبرز ما كشفته الدراسة هو وجود فجوة بين الجنسين في القدرة على إدارة الشؤون الصحية. فقد سجل الرجال متوسط 4.041 درجة على مقياس التمكين الصحي (من أصل 5)، مقابل 3.612 درجة للنساء. وأوضحت الدراسة أن هذه الفروقات ظهرت في جميع العناصر التي تم قياسها، بما في ذلك الوعي بالمشكلة الصحية، ووضع الأهداف، والتعامل مع الضغوط، وطلب الدعم. ورغم أن النموذج الإحصائي لم يفسر سوى 8.4% من هذه الفروقات، إلا أنه يشير إلى وجود عوامل اجتماعية ونفسية أخرى لم تشملها الدراسة قد تكون مؤثرة، مما يفتح الباب أمام أبحاث مستقبلية أكثر عمقاً. يمكن لـ المنصات الصحية الرقمية أن تلعب دوراً حيوياً في سد هذه الفجوة عبر توفير محتوى تثقيفي موجه، وأدوات سهلة الاستخدام تساعد النساء على تتبع حالتهن الصحية والمشاركة بفعالية أكبر في اتخاذ القرارات الطبية.
رؤية 2030 ودفع عجلة الرعاية الصحية الذكية
تنسجم نتائج الدراسة بشكل مباشر مع أهداف رؤية المملكة 2030، التي تضع تحسين جودة الحياة للمواطنين في صميم أولوياتها. ويعد التحول الرقمي في قطاع الرعاية الصحية ركيزة أساسية لتحقيق هذا الهدف. إن ارتفاع نسبة استخدام المنصات الرقمية يدل على نجاح الاستراتيجيات الحكومية في تعزيز الثقافة الرقمية وتوفير الأدوات اللازمة للمواطنين. هذا التحول لا يقتصر على تحسين تجربة المريض فحسب، بل يمتد ليشمل تكامل البيانات الصحية على المستوى الوطني، مما يساعد صناع القرار على رسم سياسات صحية أكثر دقة وفعالية، والاستعداد بشكل أفضل لمواجهة التحديات الصحية المستقبلية، وتعزيز مكانة المملكة كمركز رائد في مجال الرعاية الصحية المبتكرة على الصعيدين الإقليمي والدولي.


