دخل الصراع الروسي الأوكراني مرحلة جديدة من التصعيد العسكري المباشر، حيث تحول البحر الأسود إلى مسرح عمليات رئيسي تتبادل فيه موسكو وكييف الضربات الموجعة. وتشكل هذه التطورات فصلاً جديداً وخطيراً في حرب السفن بين روسيا وأوكرانيا، التي لم تعد تقتصر على المواجهات البرية، بل امتدت لتهدد الشريان البحري الحيوي الذي يربط المنطقة بالعالم. ففي الساعات الأخيرة، شنت روسيا هجمات صاروخية مكثفة على مدينة أوديسا الساحلية جنوب أوكرانيا، مما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى، بينما ردت كييف بهجمات نوعية بطائرات مسيرة استهدفت أسطولاً من السفن الروسية، بما في ذلك ناقلات نفط حيوية.
البحر الأسود: من ممر للحبوب إلى ساحة صراع مفتوحة
لم يكن هذا التصعيد مفاجئاً، بل جاء نتيجة لانهيار “مبادرة حبوب البحر الأسود” التي كانت تضمن ممراً آمناً لصادرات الحبوب الأوكرانية الحيوية للأمن الغذائي العالمي. فبعد انسحاب روسيا من الاتفاقية، أعلنت أنها ستعتبر أي سفينة متجهة إلى الموانئ الأوكرانية هدفاً عسكرياً محتملاً، فارضةً حصاراً بحرياً فعلياً. هذا الإجراء دفع أوكرانيا إلى البحث عن وسائل لكسر الحصار وضرب القدرات البحرية الروسية التي تفرضه، معتمدة بشكل كبير على تكنولوجيا الطائرات المسيرة البحرية التي أثبتت فعاليتها في استهداف سفن أسطول البحر الأسود الروسي الراسية في شبه جزيرة القرم أو أثناء إبحارها.
أبعاد استراتيجية وتداعيات في حرب السفن بين روسيا وأوكرانيا
تكتسب هذه المواجهة البحرية أهمية استراتيجية كبرى لكلا الطرفين. فبالنسبة لروسيا، يمثل التحكم في البحر الأسود ركيزة أساسية لقوتها العسكرية في المنطقة، ويضمن لها إمداد قواتها في شبه جزيرة القرم التي ضمتها عام 2014. أما بالنسبة لأوكرانيا، فإن الوصول إلى موانئها البحرية هو مسألة حياة أو موت لاقتصادها المعتمد على التصدير. إن استهداف ناقلات النفط الروسية لا يهدف فقط إلى إلحاق خسائر مادية، بل يمثل أيضاً رسالة بأن أوكرانيا قادرة على تهديد شريان اقتصادي رئيسي لموسكو. وعلى الصعيد الدولي، تثير هذه الهجمات قلقاً بالغاً، حيث إن أي اضطراب في حركة الملاحة في البحر الأسود لا يهدد فقط إمدادات الغذاء العالمية، بل يرفع أيضاً من تكاليف التأمين على الشحن ويهدد إمدادات الطاقة، مما قد يؤدي إلى تداعيات اقتصادية عالمية واسعة النطاق.
ضربات متبادلة وتفاصيل الهجمات الأخيرة
في تفاصيل الهجمات الأخيرة، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن قواتها نفذت ضربات دقيقة استهدفت موانئ أوديسا وتشيرنومورسك، بالإضافة إلى ميناء دنيبرو-بوغ، موضحة أن الأهداف شملت منشآت لتخزين وتفريغ الوقود وورش لتجميع الطائرات المسيرة. وأكدت موسكو أن هذه الموانئ كانت تُستخدم لدعم القوات المسلحة الأوكرانية. في المقابل، أعلن قائد سلاح الطائرات المسيرة الأوكراني، روبرت بروفدي، أن قواته شنت هجمات واسعة استهدفت 20 سفينة روسية في البحر الأسود، من بينها 17 ناقلة نفط، في عملية تزامنت مع تكثيف الهجمات على السفن الروسية في بحر آزوف أيضاً. وعلى جبهات أخرى، أفاد مسؤولون أوكرانيون بسقوط ضحايا مدنيين في هجمات روسية على مقاطعتي سومي ونيكولاييف، حيث استهدفت الضربات بنية تحتية ومناطق سكنية، مما أدى إلى تضرر مبانٍ ومنشآت طبية.


