لحظة فارقة في تاريخ سوريا الحديث
في خطوة تحمل دلالات رمزية وسياسية عميقة، شهدت العاصمة دمشق يوم الأحد أول انعقاد مجلس الشعب السوري بشكله الجديد، وذلك بعد أشهر من الانهيار المفاجئ لنظام بشار الأسد الذي حكم البلاد لعقود. يمثل هذا الحدث علامة فارقة في مسيرة الانتقال السياسي في سوريا، ونقطة انطلاق نحو بناء مستقبل مختلف، على الرغم من الصلاحيات المحدودة التي يتمتع بها المجلس في المرحلة الانتقالية الحالية.
من رماد الاستبداد إلى فجر جديد
يأتي انعقاد المجلس على خلفية تحولات دراماتيكية شهدتها سوريا في أواخر عام 2024، حين تمكنت فصائل المعارضة بقيادة أحمد الشرع من دخول دمشق وإنهاء حكم عائلة الأسد الذي استمر لأكثر من نصف قرن. لقد طوت هذه الأحداث صفحة طويلة من الحرب الأهلية المدمرة التي أودت بحياة مئات الآلاف وشردت الملايين، وتركت البلاد في حالة من الخراب الاقتصادي والاجتماعي. وبالتالي، لا يُنظر إلى هذا المجلس كهيئة تشريعية فحسب، بل كرمز للأمل في إعادة توحيد النسيج السوري وبدء عملية المصالحة الوطنية الشاملة، وتأسيس نظام سياسي يقوم على الشمولية والمشاركة بدلاً من الإقصاء والقمع الذي ساد في العهد السابق، حيث كان البرلمان مجرد أداة لتمرير قرارات السلطة التنفيذية دون نقاش حقيقي.
انعقاد مجلس الشعب السوري: خطاب للمستقبل وتحديات المرحلة
في كلمته الافتتاحية أمام النواب، شدد أحمد الشرع على حجم المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق أعضاء المجلس. وحثهم على أن يجعلوا “من هذا المجلس نموذجاً في المسؤولية والكفاءة”، واصفاً إياه بأنه يجب أن يكون “منبراً للحكمة وسنداً للدولة وصوتاً للشعب”. وأضاف الشرع: “سوريا اليوم تكتب تاريخاً جديداً يعبر عن حضارتها وقيمها وتراثها، لنصنع معاً فصلاً جديداً من فصول بناء سوريا الحديثة”. وتُعتبر هذه الكلمات بمثابة اختبار حقيقي للوعود التي قطعتها القيادة الجديدة ببناء دولة مؤسسات وقانون، حيث يُنتظر من المجلس أن يلعب دوراً محورياً في الإشراف على عمل الحكومة الانتقالية، ووضع اللبنات الأولى لدستور جديد يضمن حقوق جميع السوريين، والتحضير لانتخابات حرة ونزيهة في المستقبل.
تأثيرات إقليمية ودولية مرتقبة
يحظى هذا التطور بمتابعة حثيثة على الصعيدين الإقليمي والدولي. فاستقرار سوريا وعودة دورها الفاعل في المنطقة يمثل مصلحة مشتركة لدول الجوار والعالم. يُنظر إلى نجاح التجربة الانتقالية السورية كعامل محتمل لتحقيق الاستقرار في شرق أوسط مضطرب، وقد يفتح الباب أمام عودة سوريا إلى محيطها العربي والدولي بشكل كامل. ومع ذلك، لا تزال التحديات هائلة، بدءاً من إعادة إعمار ما دمرته الحرب، ومعالجة الأزمة الاقتصادية الخانقة، وصولاً إلى التعامل مع التدخلات الخارجية وضمان سيادة القرار الوطني. إن أداء مجلس الشعب السوري في المرحلة القادمة سيكون مؤشراً حاسماً على قدرة السوريين على تجاوز الماضي وبناء الدولة التي يطمحون إليها.


