كشفت مؤشرات حديثة صادرة عن وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية عن تحول جذري يشهده سوق العمل السعودي، مدفوعاً ببرامج ومبادرات رؤية 2030. وأظهر تقرير برنامج التحول الوطني تحقيق قفزات نوعية في عدة مجالات رئيسية، أبرزها التوسع الكبير في أنماط العمل الحديثة، والارتفاع التاريخي في نسبة مشاركة المرأة، إلى جانب تحسن ملحوظ في مستويات الامتثال والسلامة المهنية، وتنامي فرص العمل للأشخاص ذوي الإعاقة.
وتعكس هذه الأرقام نجاح الإصلاحات الهيكلية التي استهدفت جعل السوق أكثر ديناميكية وشمولية وجاذبية للكفاءات الوطنية. فقد أظهرت المؤشرات تراجع معدل البطالة بين السعوديين إلى 6.4% خلال الربع الأول من عام 2024، مقارنة بـ 7.2% في الربع الرابع من عام 2023، وهو ما يؤكد استمرار تحسن أداء سوق العمل واتساع القاعدة الوظيفية في مختلف القطاعات الاقتصادية الحيوية.
رؤية 2030: المحرك الأساسي لتحول اقتصادي واجتماعي
لم تكن هذه التطورات وليدة الصدفة، بل هي نتاج مباشر للخطة الطموحة لرؤية المملكة 2030 التي انطلقت في عام 2016. تهدف الرؤية إلى تنويع مصادر الدخل الوطني وتقليل الاعتماد على النفط، وذلك عبر تمكين القطاع الخاص ليصبح محركاً رئيسياً للنمو، وخلق فرص وظيفية مستدامة للمواطنين والمواطنات. وقد ركزت برامج الرؤية على تطوير البيئة التشريعية والتنظيمية لسوق العمل، وإطلاق مبادرات تهدف إلى رفع مهارات القوى العاملة الوطنية ومواءمتها مع متطلبات المستقبل، مما أدى إلى خلق بيئة عمل أكثر مرونة وإنتاجية.
تمكين المرأة.. ركيزة أساسية في تطور سوق العمل السعودي
يعد ملف تمكين المرأة أحد أبرز قصص النجاح في مسيرة التحول الوطني. فقد ارتفعت نسبة مشاركتها في سوق العمل السعودي بشكل لافت لتصل إلى 35%، متجاوزة بذلك مستهدفات الرؤية التي حددت نسبة 30%. ويمثل هذا الرقم قفزة هائلة مقارنة بنسبة 21.2% المسجلة في عام 2017. ولم يقتصر هذا النمو على العدد فقط، بل امتد ليشمل جودة المشاركة، حيث ارتفعت نسبة النساء في المناصب الإدارية المتوسطة والعليا إلى 43.9%، بعد أن كانت 28.6% عند بدء قياس المؤشر، مما يعكس الثقة المتزايدة في قدرات المرأة السعودية على القيادة والإسهام في صنع القرار.
وقد دعمت هذا التحول برامج حكومية فاعلة، مثل برنامج “وصول” الذي استفادت منه أكثر من 370 ألف امرأة لتسهيل تنقلهن من وإلى مقار العمل، وبرنامج “قرّة” الذي دعم أكثر من 52 ألف موظفة في توفير خدمات ضيافة الأطفال، بالإضافة إلى مبادرات التدريب التي أهلت أكثر من 121 ألف امرأة لدخول السوق بكفاءة عالية.
أنماط العمل الحديثة تعزز المرونة والفرص
في إطار زيادة مرونة السوق وتوفير خيارات مهنية متنوعة، شهدت أنماط العمل الحديثة نمواً هائلاً، حيث تم تسجيل ما يقارب 1.5 مليون عقد ووثيقة عمل غير تقليدية. توزعت هذه العقود بين 726,825 عقد عمل مرن، و430,739 وثيقة عمل حر، و339,134 عقد عمل عن بُعد. يعكس هذا التوجه قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات العالمية وتلبية تطلعات الجيل الجديد من الباحثين عن عمل، الذين يفضلون المرونة والتوازن بين الحياة المهنية والشخصية.
بيئة عمل جاذبة وشاملة للجميع
امتد التحسن ليشمل بيئة العمل بشكل عام، حيث ارتفعت نسبة امتثال منشآت القطاع الخاص لنظام حماية الأجور إلى 93%، مقارنة بـ 50% عند انطلاق البرنامج. كما قفزت نسبة التزام المنشآت بمعايير السلامة والصحة المهنية إلى 75.4%، بعد أن كانت لا تتجاوز 15% في عام 2019. وفيما يخص دمج الأشخاص ذوي الإعاقة، ارتفعت نسبة العاملين منهم إلى 14.7% في عام 2025، متجاوزة المستهدف المحدد عند 12%، وهو ما يؤكد على التزام المملكة بتوفير فرص متكافئة لجميع أبنائها وبناتها، وبناء اقتصاد شامل ومستدام.


