في خطوة دبلوماسية تهدف إلى خفض التصعيد في أحد أكثر الممرات المائية حساسية في العالم، تدرس دول أوروبية مقترحاً لفرض رسوم طوعية على السفن التجارية مقابل تعزيز خدمات سلامة الملاحة في مضيق هرمز. تأتي هذه المبادرة، التي تقودها سلطنة عُمان بالتعاون مع خبراء بريطانيين، في وقت تتصاعد فيه التوترات بين إيران والقوى الغربية، مما يلقي بظلال من القلق على استقرار إمدادات الطاقة العالمية.
يعد مضيق هرمز شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي، حيث يمر عبره ما يقرب من خُمس استهلاك النفط العالمي يومياً. تاريخياً، كان المضيق مسرحاً للعديد من الأزمات، أبرزها “حرب الناقلات” خلال الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات. وفي السنوات الأخيرة، تجددت التوترات مع حوادث احتجاز ناقلات نفط وهجمات غامضة، تزامنت مع ضغوط سياسية واقتصادية تمارسها الولايات المتحدة على طهران. هذا السياق الجيوسياسي المعقد هو ما يدفع القوى الأوروبية للبحث عن حلول مبتكرة لتجنب الانزلاق نحو مواجهة عسكرية قد تكون عواقبها وخيمة على التجارة الدولية وأسعار الطاقة.
مبادرة عُمانية برؤية أوروبية
تقوم المبادرة المطروحة على تكييف آلية معمول بها في مضيق ملقا، بحيث يتم إنشاء صندوق طوعي تساهم فيه شركات الشحن. وتُستخدم هذه الأموال لتمويل خدمات ملاحية متقدمة، مثل تحسين أنظمة السلامة البحرية، وتوفير سفن استجابة سريعة للطوارئ، وحماية البيئة البحرية من حوادث التلوث المحتملة. وكشفت مصادر دبلوماسية أن سلطنة عُمان، التي تشرف على الممرات الملاحية الرئيسية في المضيق، أعدت بالفعل تصوراً قانونياً للمقترح وعرضته على المسؤولين في طهران. وتؤكد مسقط أن هذه الرسوم لن تكون إلزامية بأي شكل من الأشكال، وهو ما يمثل نقطة جوهرية لضمان قبولها دولياً، حيث صرح نائب رئيس الوزراء البريطاني ديفيد لامي بأن فرض رسوم إلزامية سيكون “كارثياً” ويتعارض مع قوانين البحار الدولية التي تضمن حرية المرور في المضائق الدولية.
تحديات وتوازنات: هل تنجح الدبلوماسية في تأمين الملاحة في مضيق هرمز؟
تواجه المبادرة تحديات كبيرة، أبرزها الانقسام داخل دوائر صنع القرار في طهران بين التيار البراغماتي الذي قد يرى في المقترح فرصة لتعزيز الاستقرار، والمتشددين في الحرس الثوري الذين قد يعتبرونه تنازلاً. في الوقت نفسه، تراقب واشنطن التطورات عن كثب، حيث أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتهاء اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت، مؤكداً استمرار المحادثات للوصول إلى اتفاق دائم، مع التلويح برد عسكري واسع النطاق في حال استهداف المصالح الأمريكية. من جانبها، أبدت دول خليجية مثل قطر تحفظها على أي ترتيبات قد تمنح إيران سيطرة أكبر على المضيق. وعلى الصعيد الدولي، أظهرت روسيا والصين معارضتهما في مجلس المنظمة البحرية الدولية لمشروع قرار يدين الهجمات على السفن، واصفين إياه بأنه “منحاز”. إن مستقبل هذه المبادرة ومصير الملاحة في مضيق هرمز سيعتمدان بشكل كبير على نتيجة المفاوضات المعقدة بين إيران وعُمان والولايات المتحدة، وموقف المجتمع الدولي من أي آلية جديدة لإدارة هذا الممر الاستراتيجي.


