بيروت تتمسك بالمسار الدبلوماسي لحل النزاع الحدودي
في خطوة تعكس إصراراً سياسياً، جدد الرئيس اللبناني ميشال عون التأكيد على أن لبنان لن يتراجع عن قرار التفاوض المباشر مع إسرائيل، واصفاً إياه بالخيار السيادي الذي يهدف إلى استعادة الحقوق اللبنانية. جاء هذا الموقف الحاسم خلال استقباله في قصر بعبدا وفداً من كتلة “الجمهورية القوية” النيابية برئاسة سمير جعجع، حيث شدد عون على أن الانتقادات الموجهة لهذا المسار “لا تستحق الرد”، معتبراً أنها تنطلق من رغبات خارجية تهدف إلى إبقاء الملف اللبناني ورقة في يد قوى إقليمية، في إشارة ضمنية إلى إيران.
خلفية تاريخية لنزاع ممتد
تعود جذور النزاع الحدودي بين لبنان وإسرائيل إلى عقود طويلة، حيث لا يزال البلدان في حالة حرب رسمياً منذ عام 1948. ورغم ترسيم “الخط الأزرق” من قبل الأمم المتحدة عام 2000 كخط انسحاب إسرائيلي من جنوب لبنان، إلا أنه لم يُعتبر حدوداً دولية نهائية، مما أبقى على نقاط خلاف برية عالقة. ومع اكتشاف حقول غاز واعدة في شرق البحر الأبيض المتوسط خلال العقد الماضي، برز إلى السطح نزاع جديد وأكثر تعقيداً حول ترسيم الحدود البحرية، حيث تتداخل المطالب اللبنانية والإسرائيلية في منطقة غنية بالموارد الطبيعية تقدر مساحتها بحوالي 860 كيلومتراً مربعاً، والتي يسعى لبنان إلى تأكيد سيادته عليها لبدء عمليات التنقيب واستغلال ثرواته النفطية والغازية.
أهمية مسار التفاوض المباشر مع إسرائيل
أوضح الرئيس عون أن اتفاق الإطار الذي تم التوصل إليه بوساطة أمريكية نشطة، سيعيد للبنان حقوقه بالطرق الدبلوماسية في حال التزام الجانب الإسرائيلي ببنوده. وأضاف: “لقد اتخذت خياراً صعباً، وطريقه ليس معبداً بسبب توازن القوى والحسابات الإسرائيلية والوضع الإقليمي المعقد”. وتكتسب هذه المفاوضات، التي تُعقد في مقر قوات اليونيفيل في الناقورة، أهمية استثنائية للبنان الذي يمر بأزمة اقتصادية ومالية هي الأسوأ في تاريخه الحديث. ويُنظر إلى ترسيم الحدود البحرية على أنه بوابة محتملة لجذب استثمارات دولية في قطاع الطاقة، مما قد يوفر سيولة مالية تساهم في إنعاش الاقتصاد المنهار.
فرصة تاريخية في ظل متغيرات إقليمية
أشار الرئيس اللبناني إلى أن “لدينا اليوم فرصة لتحقيق المكاسب التي فقدناها من خلال حرب عبثية”، لافتاً إلى وجود زخم واهتمام من الإدارة الأمريكية بقدرة واشنطن على ممارسة الضغط على إسرائيل لتذليل العقبات. وعلى الرغم من أن هذه المفاوضات هي تقنية بحتة وتقتصر على ترسيم الحدود ولا تمثل تطبيعاً للعلاقات، إلا أنها تشكل تطوراً غير مسبوق في تاريخ العلاقة بين البلدين. ويبقى نجاح هذا المسار مرهوناً بمدى جدية الأطراف وقدرة الوسطاء على تقريب وجهات النظر حول النقاط الخلافية التقنية والقانونية، في ملف يحمل أبعاداً استراتيجية واقتصادية كبيرة للبنان والمنطقة بأسرها.


