شهدت العاصمة العُمانية مسقط اليوم انعقاد مباحثات سعودية عُمانية رفيعة المستوى، حيث التقى وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان بن عبدالله، بنظيره العُماني السيد بدر بن حمد بن حمود البوسعيدي. وتأتي هذه المباحثات في وقت تشهد فيه المنطقة تحديات جيوسياسية متسارعة تتطلب تنسيقاً وثيقاً بين الرياض ومسقط لتعزيز العلاقات الثنائية وبحث الملفات الإقليمية الساخنة، وعلى رأسها أمن الممرات المائية الحيوية وحرية الملاحة الدولية.
أبعاد تاريخية وجذور راسخة للتعاون الثنائي
تستند العلاقات بين المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان إلى إرث تاريخي طويل من الأخوة والجوار الجغرافي والمصالح المشتركة. وقد شهدت هذه العلاقات قفزة نوعية في السنوات الأخيرة، لا سيما بعد تأسيس مجلس التنسيق السعودي العُماني، والزيارات المتبادلة على مستوى القيادة بين خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، وجلالة السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان. هذا التقارب التاريخي أسس لمرحلة جديدة من التكامل الاقتصادي والسياسي والأمني الذي يخدم مصالح الشعبين الشقيقين ويعزز مسيرة العمل الخليجي المشترك.
مباحثات سعودية عُمانية ترسم خارطة طريق للأمن الملاحي في مضيق هرمز
تصدرت التطورات المتعلقة بمضيق هرمز جدول أعمال الاجتماع، حيث أكد الجانبان على الأهمية الاستراتيجية القصوى للحفاظ على أمن الممرات المائية وضمان حرية الملاحة البحرية وفقاً للقوانين الدولية. ويُعد مضيق هرمز شرياناً رئيسياً للاقتصاد العالمي وحركة إمدادات الطاقة الدولية، مما يجعل استقراره مسؤولية إقليمية ودولية مشتركة. وفي هذا السياق، شدد الوزيران على دعم كافة الجهود الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، وحل النزاعات عبر الحوار والوسائل السلمية والدبلوماسية لتجنيب المنطقة مخاطر التصعيد.
مشاريع لوجستية عملاقة وتكامل اقتصادي واعد
لم تقتصر المباحثات على الجوانب السياسية والأمنية فحسب، بل تناولت أيضاً ملفات التعاون الاقتصادي والاستثماري. واستعرض الجانبان عدداً من المشاريع الاستراتيجية المشتركة، وفي مقدمتها مشروع المنفذ البري المباشر (طريق الربع الخالي) الذي يربط بين البلدين، والذي يُعد شرياناً حيوياً لتعزيز حركة التبادل التجاري والسياحي. كما تم بحث سبل تطوير شبكات النقل والربط اللوجستي، وتشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص للاستفادة من الفرص الواعدة في قطاعات الطاقة، البترول، والغاز، بما يتماشى مع رؤية المملكة 2030 ورؤية عُمان 2040.
التأثير الإقليمي والدولي للتعاون بين الرياض ومسقط
تحمل هذه المباحثات أهمية بالغة على الصعيدين الإقليمي والدولي؛ فالتنسيق المستمر بين السعودية، بثقلها الاقتصادي والسياسي القيادي، وسلطنة عُمان، بدورها الدبلوماسي المتزن والفاعل في تقريب وجهات النظر، يسهم بشكل مباشر في صياغة مواقف خليجية موحدة تجاه الأزمات الإقليمية. كما أن تأمين الممرات المائية الحيوية مثل مضيق هرمز يبعث برسائل طمأنة لأسواق الطاقة العالمية وللمجتمع الدولي حول التزام دول الخليج باستقرار سلاسل الإمداد وحرية التجارة العالمية.
يُذكر أن جلسة المباحثات الرسمية شهدت حضوراً رفيع المستوى من الجانبين، حيث شارك فيها نائب وزير النقل والخدمات اللوجستية الدكتور رميح بن محمد الرميح، ووكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية الدكتور سعود بن محمد الساطي، ووكيل وزارة الطاقة لشؤون البترول والغاز المهندس ماجد بن عبدالله العتيبي، وسفير خادم الحرمين الشريفين لدى سلطنة عُمان إبراهيم بن سعد بن بيشان، والوزير المفوض بوزارة الخارجية الدكتورة منال رضوان، مما يعكس شمولية الملفات المطروحة وجدية البلدين في الدفع بالعلاقات الثنائية نحو آفاق أرحب.


