وصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى العاصمة السورية دمشق في خطوة تاريخية غير مسبوقة، معلناً التزام بلاده الكامل بدعم دولة ذات سيادة وموحدة. وتكتسب زيارة ماكرون إلى سوريا أهمية بالغة كونها الزيارة الأولى لرئيس دولة غربية كبرى منذ سقوط النظام السابق وتولي الرئيس أحمد الشرع مقاليد السلطة في أواخر عام 2024، مما يمهد الطريق لعهد جديد من العلاقات الدبلوماسية في الشرق الأوسط.
تفاصيل الزيارة الرئاسية والترحيب الدبلوماسي في دمشق
استقبل وزير الخارجية والمغتربين السوري، أسعد الشيباني، الرئيس الفرنسي والوفد المرافق له فور وصولهم إلى مطار دمشق الدولي مساء الإثنين. وحرص قصر الإليزيه على فرض تكتّم شديد حول توقيت الزيارة ودواعيها الأمنية حتى هبوط الطائرة الرئاسية في العاصمة السورية، في إشارة واضحة إلى الحساسية الأمنية والسياسية التي تحيط بهذا الحدث الاستثنائي.
وفي أولى تصريحاته عقب وصوله، أكد ماكرون أن هدفه الأساسي هو تأكيد وقوف فرنسا إلى جانب الشعب السوري لبناء دولة حرة وتعددية تحترم جميع مكوناتها. وأشار الرئيس الفرنسي إلى تطلعه لفتح صفحة جديدة من الاستقرار والسلام، تسهم في إنهاء عقود من الصراع والدمار وتؤسس لعلاقات متكافئة تقوم على الاحترام المتبادل والشراكة الحقيقية.
السياق التاريخي ومسار العلاقات الثنائية
تأتي هذه الخطوة لترسم ملامح مرحلة جديدة كلياً بعد سنوات طويلة من القطيعة الدبلوماسية. ويعود تاريخ آخر زيارة لرئيس فرنسي إلى دمشق لعام 2009، عندما زار الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي سوريا، قبل أن تتدهور العلاقات وتصل إلى حد القطيعة التامة إثر اندلاع الاحتجاجات الشعبية عام 2011، والتي تحولت سريعاً إلى نزاع مسلح مدمر أودى بحياة أكثر من نصف مليون شخص وهجّر الملايين.
ومع طي صفحة النظام السابق وبدء العهد الجديد بقيادة الرئيس أحمد الشرع، تسارعت وتيرة الانفتاح الدبلوماسي بين دمشق وباريس. وكان الرئيس الشرع قد زار فرنسا في السابع من مايو الماضي بدعوة رسمية من نظيره الفرنسي، حيث جرى التباحث في سبل رفع العقوبات الأوروبية المفروضة على سوريا ودعم جهود إعادة الإعمار والاستقرار الإقليمي.
الأثر الإقليمي والدولي المترتب على زيارة ماكرون إلى سوريا
لا تقتصر أهمية هذه الزيارة على الصعيد الثنائي فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً إقليمية ودولية واسعة. فمن الناحية المحلية، تمنح زيارة ماكرون إلى سوريا شرعية دولية قوية للحكومة السورية الجديدة وتدعم جهودها في توحيد البلاد واستعادة سيادتها الكاملة على أراضيها.
أما على الصعيد الإقليمي والدولي، فإن عودة فرنسا للعب دور دبلوماسي نشط في دمشق تسهم في تهدئة التوترات المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط. وتأمل الأطراف الدولية أن تؤدي هذه الشراكة الاستراتيجية الجديدة إلى تعزيز الأمن الإقليمي، وتحفيز بقية الدول الغربية والاتحاد الأوروبي على مراجعة مواقفهم الدبلوماسية والاقتصادية تجاه سوريا، مما يمهد الطريق لعودة دمشق الفاعلة إلى الساحة الدولية كعنصر استقرار وسلام.


