تدخل الأزمة الراهنة بين واشنطن وطهران مرحلة جديدة من التعقيد البالغ، حيث تواجه مفاوضات أمريكا وإيران غير المباشرة عقبات جوهرية تحول دون التوصل إلى اتفاق مستدام. يأتي هذا التعثر تزامناً مع تصاعد التحذيرات العسكرية المتبادلة وانطلاق مراسم دفن المرشد الإيراني علي خامنئي، في وقت كشفت فيه صور أقمار صناعية عالية الدقة، وللمرة الأولى، عن حجم الأضرار الجسيمة التي لحقت بالمنشآت العسكرية والنووية الإيرانية جراء الضربات الأمريكية والإسرائيلية الأخيرة.
عقبات جوهرية تعرقل مفاوضات أمريكا وإيران في الدوحة وسويسرا
تتركز الخلافات الأساسية في هذه الجولات التفاوضية، التي جرت برعاية قطرية وباكستانية في سويسرا والدوحة، حول آليات إدارة الملاحة في مضيق هرمز الاستراتيجي، بالإضافة إلى شروط الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة. وتتمسك طهران بفرض دور مباشر لها في إدارة الممر المائي بالتنسيق مع سلطنة عمان مقابل رسوم خدمات، وهو ما ترفضه واشنطن بشكل قاطع. ورغم توقيع مذكرة تفاهم أولية نصت على وقف إطلاق النار وتأمين الملاحة، إلا أن التفاصيل الفنية والشروط المتبادلة حالت دون صياغة اتفاق نهائي، مما جعل المشهد الدبلوماسي يراوح مكانه بين “التفاوض والقتال”.
أقمار صناعية تكشف المستور وتوثق دمار المواقع الحيوية
بالتوازي مع المسار السياسي المتعثر، نشرت شركة “بلانيت لابس” صوراً فضائية حديثة لـ 800 موقع داخل إيران كانت خاضعة لقيود النشر بطلب أمريكي سابق. وأظهرت التحليلات الاستخباراتية دماراً واسعاً لحق بمستودعات الذخيرة، وبنى تحتية مخصصة للصواريخ الباليستية، ومنظومات الدفاع الجوي، وقواعد بحرية، لا سيما في محيط بوشهر. ووفقاً لخبراء عسكريين، فإن هذا الدمار الموثق يتطابق تماماً مع حجم العمليات الجوية التي أعلنت عنها الولايات المتحدة وإسرائيل لإضعاف القدرات الهجومية لطهران.
السياق التاريخي للصراع وتأثيره الإقليمي والدولي
يعود هذا التوتر المتصاعد إلى عقود من الصراع الجيوسياسي في الشرق الأوسط، وتحديداً منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي وفرض سياسة الضغوط القصوى. ويمثل تعثر المفاوضات الحالية منعطفاً خطيراً يمتد تأثيره من المستوى المحلي الإيراني—الذي يعاني من ضغوط اقتصادية وسياسية خانقة—إلى المستوى الإقليمي والدولي. فمضيق هرمز يعد شريان الطاقة العالمي، وأي مواجهة عسكرية فيه قد تؤدي إلى قفزة جنونية في أسعار النفط العالمية وتوقف سلاسل الإمداد، مما يضع الاقتصاد الدولي على حافة الهاوية. كما أن استقرار منطقة الخليج العربي وأمن حلفاء واشنطن باتا على المحك في ظل استعداد طهران للرد العسكري المباشر على أي خرق للتفاهمات.
تباينات في المواقف ونفي لخطط الاغتيال
في سياق متصل، نفت إسرائيل رسمياً التقارير التي تحدثت عن وجود خطة لاستهداف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف خلال فترة المفاوضات. وأكد مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن ما نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” مختلق بالكامل. ومع ذلك، تشير مصادر أمريكية إلى تدخل واشنطن لمنع أي تصعيد من هذا القبيل خشية انهيار القنوات الدبلوماسية بالكامل. وتتزامن هذه الأحداث مع تباينات واضحة بين تل أبيب وإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن المساعدات المالية الأمريكية وكيفية إدارة الملف الإيراني، حيث يسعى كل طرف إلى تحسين أوراقه التفاوضية والضغط ميدانياً لفرض شروطه في هذه المرحلة الحاسمة.


