شهدت الأروقة السياسية والعسكرية في واشنطن تطورات متسارعة بشأن مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، حيث تراجع وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث عن خططه الرامية لتقليص هذا الوجود بشكل حاد. وجاء هذا التراجع بعدما رفض البيت الأبيض مقترحاً كان يعتزم هيغسيث الإعلان عنه رسمياً خلال اجتماع وزراء دفاع حلف شمال الأطلسي (الناتو) في بروكسل. وكشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن الخطة الملغاة كانت تتضمن سحب لواء مشاة من رومانيا وإلغاء نشر لواء مدرع في بولندا، إلا أن معارضة كبار المسؤولين، وعلى رأسهم وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي بالوكالة ماركو روبيو، حالت دون تمرير المقترح في الوقت الراهن.
خلفية تاريخية: كيف تشكل الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا؟
يعود تاريخ القوات الأمريكية في القارة العجوز إلى أعقاب الحرب العالمية الثانية وتأسيس حلف شمال الأطلسي (الناتو) عام 1949، حيث شكلت هذه القوات ركيزة أساسية لاستراتيجية الردع الغربية ضد الاتحاد السوفيتي خلال فترة الحرب الباردة. وعلى مر العقود، تذبذبت أعداد القوات تبعاً للمتغيرات الجيوسياسية، إلا أن الحرب الروسية الأوكرانية أعادت الزخم لهذا الوجود، مما دفع واشنطن إلى تعزيز قواتها لحماية الحلفاء في الجناح الشرقي للناتو، وخاصة في بولندا ورومانيا ودول البلطيق. وتأتي التحركات الحالية لوزارة الدفاع (البنتاغون) في إطار استراتيجية الدفاع الأمريكية الصادرة في يناير الماضي، والتي تدعو إلى نقل عبء الدفاع التقليدي إلى الدول الأوروبية والتركيز بشكل أكبر على منطقة المحيطين الهندي والهادئ لمواجهة النفوذ الصيني المتصاعد.
كواليس التراجع وموقف الرئيس دونالد ترامب
أوضح المتحدث باسم البنتاغون، شون بارنيل، أن وزير الدفاع بيت هيغسيث يحرص تماماً على أن تتوافق قراراته مع رؤية الرئيس دونالد ترامب، دون تقييد حريته في اتخاذ القرارات الاستراتيجية العليا. وكان الرئيس دونالد ترامب قد انتقد مراراً وتكراراً دول حلف الناتو، معتبراً أنها لا تساهم بشكل عادل في الإنفاق الدفاعي وتعتمد بشكل مفرط على المظلة الأمنية الأمريكية. ورغم أن ترامب استفسر شخصياً عن إلغاء إرسال اللواء المدرع إلى بولندا في مايو الماضي -والذي أثار غضب وارسو لغياب التنسيق المسبق- وأبدى رغبته لاحقاً في إرسال 5000 جندي إضافي إلى هناك، إلا أن هذه الخطوة لم تدخل حيز التنفيذ بعد. وبدلاً من التخفيض الفوري، أعلن هيغسيث عن إجراء مراجعة شاملة لتموضع القوات قد تستغرق ستة أشهر، مما يعكس حالة من التريث داخل الإدارة الأمريكية الحالية.
التأثيرات المتوقعة على الأمن الإقليمي والدولي
يحمل قرار تجميد تخفيض القوات أبعاداً استراتيجية بالغة الأهمية على الصعيدين الإقليمي والدولي. فعلى المستوى المحلي والأوروبي، يساهم هذا التراجع في طمأنة الحلفاء الشرقيين مثل بولندا ورومانيا الذين يواجهون تهديدات مباشرة من التحركات الروسية. أما على الصعيد الدولي، فإن أي تقليص متسرع للقوات كان سيبعث برسالة ضعف إلى موسكو، وهو ما حذر منه مشرعون من الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الكونغرس الأمريكي خشية إضعاف التحالف. ومن المتوقع أن يهيمن ملف الإنفاق الدفاعي ومستقبل القوات الأمريكية على أجواء قمة الناتو المرتقبة في أنقرة الأسبوع المقبل، حيث يسعى القادة الأوروبيون إلى إظهار وحدة الصف ودعم أوكرانيا، مع محاولة تجنب الصدامات المباشرة مع توجهات الرئيس دونالد ترامب الاقتصادية والعسكرية.


