حذّر رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، من التداعيات الخطيرة لانتشار العنصرية في بريطانيا، مؤكداً أن تصاعد مظاهر التعصب والتمييز خلال العقد الأخير بات يهدد بشكل مباشر تماسك المجتمع البريطاني. وأشار ستارمر، في تصريحات حازمة أمام البرلمان، إلى أن تفاقم هذه الظاهرة يدفع فئات واسعة من الأقليات العرقية والمهاجرين إلى الانكفاء والابتعاد عن المشاركة الفعالة في الحياة العامة، مما ينذر بشرخ اجتماعي عميق يتطلب تحركاً فورياً من كافة القوى السياسية والمجتمعية.
جذور الأزمة وسياق تصاعد الاستقطاب الاجتماعي
تأتي تحذيرات رئيس الوزراء البريطاني في وقت تشهد فيه المملكة المتحدة توترات اجتماعية متراكمة تغذيها خطابات اليمين المتطرف والمواقف المناهضة للمهاجرين. على مدى السنوات الماضية، وتحديداً منذ استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) في عام 2016، شهدت البلاد استقطاباً سياسياً حاداً انعكس سلباً على ملفات الهجرة واللجوء. وقد ساهم التركيز السياسي والإعلامي المكثف على ربط المهاجرين بمعدلات الجريمة والأزمات الاقتصادية في خلق بيئة خصبة لنمو مشاعر العداء ضد الأقليات، وهو ما وثقته تقارير حقوقية ونقابية متعددة حذرت من تحول التمييز إلى ممارسات يومية معتادة في أماكن العمل والفضاءات العامة.
اضطرابات ميدانية وتحذيرات من انفجار مجتمعي
وجاءت هذه المخاوف مدعومة بوقائع ميدانية مقلقة شهدتها عدة مدن بريطانية مؤخراً. فقد اندلعت احتجاجات عنيفة في مدينة ساوثهامبتون عقب واقعة قتل مأساوية، تزامنت مع أعمال شغب واشتباكات في مدينة بلفاست بإيرلندا الشمالية أعقبت هجوماً طعناً بالسكين. هذه الأحداث تم استغلالها من قبل جماعات متطرفة لتأجيج المشاعر ضد المهاجرين والأقليات العرقية. وفي هذا السياق، نشرت وكالة “رويترز” تقريراً مفصلاً نقلت فيه تحذيرات صادرة عن نقابات عمالية وهيئات مهنية بريطانية، تؤكد تصاعد الإساءات العنصرية والاعتداءات اللفظية والجسدية ضد الموظفين من أصول غير بريطانية، مما يعكس عمق الأزمة التي تعيشها البلاد.
التداعيات المحلية والدولية لانتشار العنصرية في بريطانيا
لا تقتصر خطورة انتشار العنصرية في بريطانيا على الجانب الأمني والاجتماعي الداخلي فحسب، بل تمتد لتشمل مكانة المملكة المتحدة على الساحة الدولية. محلياً، يؤدي استمرار هذا التوتر إلى إضعاف الثقة في المؤسسات الأمنية والقضائية، ويزيد من عزلة المجتمعات المحلية المهمشة. أما إقليمياً ودولياً، فإن بريطانيا، التي طالما قدمت نفسها كنموذج للتعددية الثقافية والديمقراطية الليبرالية، تواجه اليوم تحدياً حقيقياً لصورتها الدبلوماسية. وتخشى الأوساط الاقتصادية أن تؤثر هذه الأجواء المشحونة سلباً على قدرة البلاد على جذب الكفاءات الأجنبية والاستثمارات الخارجية، خاصة في مرحلة ما بعد “بريكست” حيث تسعى لندن لتعزيز شراكاتها العالمية.
مسؤولية مشتركة ودعوة لرفض خطاب الكراهية
وفي رده على تساؤلات النواب في مجلس العموم البريطاني، شدد كير ستارمر على أن “العنصرية والتعصب متفشيان في كل مكان”، معبراً عن قلقه البالغ من محاولات بعض السياسيين إضفاء الشرعية على خطاب الكراهية وجعله أمراً اعتيادياً. ودعا رئيس الوزراء جميع الفاعلين السياسيين، بغض النظر عن انتماءاتهم الحزبية، إلى التنديد الصريح والواضح بهذه السلوكيات، مؤكداً أن مواجهة هذه الآفة هي مسؤولية وطنية مشتركة لحماية قيم التسامح والعدالة التي تأسست عليها المجتمعات الحديثة.


