كشفت منظمة العفو الدولية في تقرير حقوقي حديث وصادم عن أدلة دامغة تثبت ارتكاب قوات الدعم السريع عمليات التطهير العرقي في السودان، لا سيما خلال حملتها العسكرية العنيفة للسيطرة على مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور. ودعت المنظمة المجتمع الدولي إلى ضرورة التدخل الفوري وإرسال قوة دولية لحماية المدنيين الذين يواجهون فظائع غير مسبوقة تهدد وجودهم في واحدة من أكثر فصول الحرب السودانية دموية.
تفاصيل تقرير العفو الدولية حول الفاشر
تحت عنوان «مدينة تحت الحصار: أطفال في مرمى النيران»، وثقت المنظمة الدولية الانتهاكات الجسيمة التي تعرض لها المدنيون في الفاشر ومحيطها خلال الفترة الممتدة بين مطلع عام 2024 وأكتوبر 2025. واستند التقرير إلى شهادات حية من أكثر من 200 ناجٍ، بالإضافة إلى تحليل 89 مقطع فيديو وصور ملتقطة عبر الأقمار الصناعية، مما يؤكد أن المدنيين، وخاصة الأطفال، لم يكونوا مجرد أضرار جانبية، بل تم استهدافهم بشكل مباشر بالقتل، والتعذيب، والاغتصاب، والتجنيد القسري.
الجذور التاريخية لمأساة دارفور والتطهير العرقي في السودان
يعيد هذا التصعيد الأخير إلى الأذهان الصراع الدامي الذي شهده إقليم دارفور في أوائل القرن الحالي (عام 2003)، حيث واجهت المجموعات العرقية غير العربية حملات إبادة جماعية على يد ميليشيات «الجنجويد»، التي تشكل النواة الأساسية لقوات الدعم السريع الحالية. إن عودة خطاب الكراهية والاستهداف العرقي ضد مجتمعات مثل «الزغاوة» يعكس استمرار ذات الممارسات الممنهجة، مما يجعل من مكافحة الإفلات من العقاب ضرورة قصوى لمنع تكرار المآسي التاريخية التي عانى منها الإقليم طويلاً.
التداعيات الإقليمية والدولية وتفاقم الكارثة الإنسانية
لا تقتصر آثار هذا الصراع على الداخل السوداني فحسب، بل تمتد لتشكل تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي في منطقة القرن الإفريقي والحدود مع جمهورية إفريقيا الوسطى وتشاد، مع نزوح أكثر من 14 مليون شخص وتدفق مئات الآلاف من اللاجئين إلى دول الجوار. وفي غضون ذلك، تتفاقم الأزمة الصحية مع تفشي وباء الكوليرا الذي أودى بحياة المئات في مناطق النزاع المعزولة بكردفان وغرب السودان، وسط نقص حاد في الإمدادات الطبية والغذائية وانهيار شبه كامل للمنظومة الصحية.
تحركات أممية مرتقبة لإنقاذ مدينة الأبيض
بالتوازي مع مأساة الفاشر، يستعد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف لعقد نقاش عاجل بشأن الأوضاع الإنسانية المتدهورة في مدينة الأبيض، مركز ولاية شمال كردفان، وسط مخاوف دولية متزايدة من هجوم وشيك قد تشنه قوات الدعم السريع. وتكتسب مدينة الأبيض أهمية استراتيجية فائقة لكونها نقطة ربط حيوية بين إقليم دارفور وشرق السودان، ويقطنها نحو نصف مليون نسمة، من بينهم 100 ألف نازح يعانون بالفعل من انقطاع الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والوقود جراء الحصار المستمر واستهداف البنية التحتية بالطائرات المسيرة.


