في خطوة وصفت بأنها الأكبر من نوعها منذ عام 2003، جدد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني تأكيده على أن حكومته ماضية في حربها ضد الفساد، معلناً أنه “لا حصانة لأي فاسد” في البلاد، وذلك في أعقاب حملة اعتقالات واسعة طالت عشرات المسؤولين والنواب ورجال الأعمال. وتأتي هذه التصريحات لتؤكد على جدية النهج الحكومي الجديد في ملف مكافحة الفساد في العراق، والذي يعد أحد أكبر التحديات التي تواجه الدولة منذ عقود.
وخلال كلمة له ضمن اجتماع وزاري، شدد السوداني على أن حكومته ستطارد كل من تورط في سرقة المال العام “ليلاً نهاراً”، مضيفاً أن “أموال العراقيين أمانة في أعناق الحكومة”. وأوضح أن هذه الإجراءات ليست تصفية حسابات سياسية، بل هي بداية لصفحة جديدة تهدف إلى استعادة ثقة المواطن بالدولة ومؤسساتها، مؤكداً على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة لفرض سيادة القانون بشكل كامل.
حملة غير مسبوقة في إطار مكافحة الفساد في العراق
يأتي هذا التصعيد الحكومي في سياق تاريخ طويل من استشراء الفساد في مفاصل الدولة العراقية، والذي أدى إلى هدر مئات المليارات من الدولارات على مدى السنوات الماضية، وعرقل مشاريع التنمية والخدمات الأساسية. لطالما كان الفساد سبباً رئيسياً للاحتجاجات الشعبية الواسعة، مثل تظاهرات تشرين عام 2019، حيث طالب المواطنون بمحاسبة “الحيتان الكبار” وإنهاء شبكات المحسوبية التي تستنزف ثروات البلاد. الحملة الحالية، التي نفذتها القوات الأمنية فجر الأحد، تمثل تحولاً نوعياً باستهدافها شخصيات ذات نفوذ سياسي واقتصادي كبير، حيث تمكنت من توقيف 47 مسؤولاً، فيما كشفت مصادر مطلعة أن قائمة المتهمين قد تصل إلى 120 شخصاً.
تداعيات محلية ودولية للمعركة ضد الفساد
على الصعيد المحلي، يُنظر إلى هذه الحملة على أنها اختبار حقيقي لجدية حكومة السوداني في تنفيذ برنامجها الإصلاحي. فنجاحها في استرداد الأموال المنهوبة وتقديم الفاسدين إلى العدالة من شأنه أن يعزز بشكل كبير من شرعيتها ويعيد بناء جسور الثقة المفقودة مع الشارع العراقي. أما على الصعيد الدولي، فإن تحقيق تقدم ملموس في ملف مكافحة الفساد سيسهم في تحسين صورة العراق كبيئة جاذبة للاستثمارات الأجنبية، ويشجع المنظمات الدولية على تقديم المزيد من الدعم لمشاريع إعادة الإعمار والتنمية المستدامة. وقد أكد المتحدث باسم الحكومة، حيدر العبودي، أن عمليات الاعتقال مستمرة وتأتي ضمن جهد أوسع لتعزيز سيادة الدولة والحفاظ على المال العام.
يُذكر أن شرارة هذه الحملة انطلقت من اعترافات أدلى بها وكيل وزارة النفط لشؤون التكرير، عدنان الجميلي، بعد احتجازه بتهم فساد. وبحسب المصادر، فإن اعترافاته ورطت شبكة واسعة من المسؤولين، وأسفرت التحقيقات الأولية معه عن ضبط مبالغ مالية ضخمة تجاوزت 67 مليار دينار عراقي ومليون دولار أمريكي نقداً.


