يتصاعد التوتر مجدداً في مياه الخليج، حيث يواجه التفاهم الهش لوقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة أول اختبار حقيقي له في مضيق هرمز، الممر المائي الأكثر أهمية في العالم لإمدادات الطاقة. وفيما تقدم طهران ما تعتبره تنازلاً بضمان عبور السفن التجارية عبر مسارات متفق عليها، تلجأ شركات الشحن العالمية إلى طرق بديلة بالقرب من السواحل العُمانية، في محاولة لتجنب المخاطر الأمنية والوقوع في شباك العقوبات الأمريكية المحتملة.
الأهمية الاستراتيجية لشريان الطاقة العالمي
يعد مضيق هرمز تاريخياً نقطة اختناق جيوسياسية، حيث يفصل بين الخليج العربي وخليج عُمان، ويُعتبر المنفذ البحري الوحيد لدول نفطية كبرى مثل الكويت وقطر والبحرين. يمر عبر هذا الممر الضيق ما يقرب من خُمس استهلاك النفط العالمي، بالإضافة إلى كميات هائلة من الغاز الطبيعي المسال، مما يجعله ذا أهمية استراتيجية قصوى للاقتصاد العالمي. أي اضطراب في حركة الملاحة عبره يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع فوري وحاد في أسعار الطاقة العالمية، ويزعزع استقرار الأسواق المالية. وقد شهد المضيق على مر العقود العديد من الحوادث والمواجهات، أبرزها خلال “حرب الناقلات” في الثمانينيات، مما يرسخ مكانته كبارومتر لقياس مستوى التوتر في منطقة الشرق الأوسط.
خيارات ملاحية محفوفة بالمخاطر في مضيق هرمز
جاء التحذير الأخير من الحرس الثوري الإيراني للسفن المارة عبر المضيق، بعد أيام من هجمات استهدفت سفينتين تجاريتين، ليؤكد على خطورة الوضع. وحذرت طهران من أن أي سفينة تحاول العبور خارج المسار المحدد أو دون إذن ستتحمل مسؤولية العواقب. هذا الواقع يضع مشغلي السفن أمام خيارات معقدة، حيث توجد ثلاثة مسارات رئيسية: المسار الشمالي الخاضع لسيطرة إيرانية مباشرة، والمسار الأوسط، والمسار الجنوبي بمحاذاة المياه العُمانية. وتشير بيانات تتبع السفن من شركات مثل “Windward” و”MarineTraffic” إلى تزايد ملحوظ في عدد السفن التي تختار المسار الجنوبي لتجنب الإشراف الإيراني المباشر، رغم أن هذا المسار قد لا يكون آمناً بالكامل. هذا التحول يعكس حالة الارتباك التي وصفها ديميتريس مانياتيس، الرئيس التنفيذي لشركة “Marisks”، بأنها “بيئة شديدة الخطورة” للملاحة الآمنة.
تفاهمات هشة وعواقب اقتصادية
رغم أن مذكرة التفاهم تنص على أن تبذل إيران قصارى جهدها لضمان المرور الآمن للسفن، وهو ما اعتبرته شبكة “CNN” تنازلاً كبيراً لواشنطن، إلا أن طهران تؤكد أن ذلك لا يعني التخلي عن سيطرتها. فالاتفاق يتضمن بنداً فضفاضاً ينص على تعاون إيراني-عُماني لتحديد “آلية الإدارة المستقبلية” للمضيق، مما يمنح طهران دوراً رسمياً في تنظيم حركة الملاحة. المعضلة التي تواجه شركات الشحن هي أن استخدام المسار الذي يسيطر عليه الحرس الثوري قد يعرضها لعقوبات غربية إذا انهار الاتفاق مستقبلاً، بينما استخدام المسارات الأخرى قد يعرضها لهجمات. ويزداد الأمر تعقيداً خشية الشركات من التعامل مع الإيرانيين، خوفاً من عقوبات أمريكية مستقبلية، خاصة وأن إدارة الرئيس ترامب سبق ولوحت بإمكانية فرض عقوبات على أي رسوم عبور تُدفع لإيران.


