في خطوة دبلوماسية مفصلية، شهدت العاصمة الأمريكية واشنطن التوقيع على اتفاق إطار ثلاثي بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، يهدف إلى وضع ترتيبات أمنية جديدة في جنوب لبنان. يأتي هذا التطور بعد مفاوضات مكثفة ومعقدة استمرت لأربعة أيام خلف الكواليس، بهدف إنهاء حالة الصراع وتثبيت الاستقرار على الحدود، وهو ما اعتبره الرئيس اللبناني ميشال عون “خطوة أولى على طريق استعادة لبنان لسيادة دولته على أراضيه كاملة، غير منقوصة ذرة”.
هذا الإعلان يمثل تتويجاً لجهود دبلوماسية حثيثة قادتها الإدارة الأمريكية، حيث كشفت مصادر أن وزير الخارجية مايك بومبيو أجرى اتصالات هاتفية حاسمة مع كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس اللبناني ميشال عون لإزالة العقبات الأخيرة التي كانت تعترض سبيل التوقيع. وعقب الإعلان، صرّح بومبيو بأن الطريق لا يزال طويلاً، قائلاً: “سيحتاج الأمر إلى الكثير من العمل، لكننا نعتقد أن هذه ستكون الخطوة الأولى، وهي خطوة صعبة. والشعب الإسرائيلي، وخصوصاً سكان الشمال، يستحقون العيش بأمن وسلام”.
خلفية تاريخية لصراع ممتد
لم يأتِ هذا الاتفاق من فراغ، بل هو محاولة لمعالجة وضع أمني متوتر ومعقد يمتد لعقود طويلة على الحدود اللبنانية الإسرائيلية. شهدت هذه المنطقة جولات متعددة من الصراع، أبرزها الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 وحرب يوليو 2006، التي انتهت بصدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701. دعا هذا القرار إلى وقف كامل للأعمال العدائية، وانسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان، ونشر الجيش اللبناني وقوات الأمم المتحدة المؤقتة (اليونيفيل) في المنطقة، ونزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة. ورغم أن القرار 1701 نجح في الحفاظ على هدوء نسبي، إلا أن الخروقات والتوترات ظلت قائمة، مما استدعى البحث عن آليات أكثر استدامة لتثبيت الأمن، وهو ما يسعى إليه الاتفاق الجديد.
ملامح اتفاق الإطار وتحديات التنفيذ
بحسب التفاصيل الأولية لمذكرة التفاهم، فإن اتفاق إطار العمل يرتكز على عدة بنود أساسية تهدف إلى بناء الثقة تدريجياً. من أبرز هذه البنود إطلاق مرحلة تجريبية فورية لانسحاب إسرائيلي من مناطق محدودة، يقابلها انتشار للجيش اللبناني بإشراف ومساعدة من قوات أمريكية. كما يتضمن الاتفاق تكريس بقاء الجيش الإسرائيلي في منطقة الشريط الأمني المحاذي للخط الأزرق مع احتفاظه بحرية العمل لإزالة أي تهديد، وذلك إلى حين إثبات قدرة الدولة اللبنانية على بسط سيطرتها الأمنية الكاملة ونزع سلاح حزب الله والتنظيمات المسلحة الأخرى. الهدف المركزي الذي عبر عنه مسؤولون إسرائيليون هو إنهاء النفوذ الإيراني في لبنان، ورفض أي دور لطهران أو لحزب الله في مستقبل البلاد.
أبعاد سيادية ورسائل للداخل والخارج
من بيروت، حرص الرئيس ميشال عون على تأطير الحدث ضمن سياق سيادي، موجهاً خطاباً عالي النبرة للداخل والخارج. واستهل الرئيس عون موقفه بتوجيه الشكر للإدارة الأمريكية وعلى رأسها الرئيس دونالد ترامب على الجهود التي بذلت في استضافة ورعاية المفاوضات. كما وجه تحية اعتزاز للشعب اللبناني الذي صمد في وجه “أقسى ظروف العدوان والتدمير والتهجير”، مؤكداً أن هذا الاتفاق هو أول الطريق لتثمين تلك التضحيات. وختم الرئيس اللبناني كلمته بقسم حاسم يرسم حدود المرحلة القادمة، قائلاً: “نقسم على الاستمرار في العمل حتى إنجازه كاملاً، فلا يكون بعد احتلال ولا أسرى ولا تبعية ولا وصاية.. في ظل سيادة دولة لبنانية لا شريك لها في سيادتها على أرضها وشعبها. هذا ما يجمع عليه كل لبناني حر مسؤول شريف، وهذا عهدنا لهم وواجبنا تجاههم”.


