في خطوة قضائية فارقة، انطلقت في دمشق أولى جلسات محاكمة وسيم الأسد، ابن عم الرئيس السابق بشار الأسد، في قضية تحمل دلالات عميقة لمستقبل العدالة في سوريا. يواجه وسيم الأسد لائحة اتهام ثقيلة تشمل قيادة مجموعات مسلحة، والتحريض على العنف، وارتكاب جرائم قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بالإضافة إلى إدارة شبكات لتهريب المخدرات.
بدأت المحكمة السورية، يوم الأربعاء، أولى جلساتها للنظر في الاتهامات الموجهة لوسيم الأسد، الذي برز اسمه كأحد أبرز أمراء الحرب خلال سنوات النزاع السوري. ووفقاً للائحة الاتهام، فإن الأسد متهم بتشكيل مجموعتين مسلحتين مطلع عام 2011، بناءً على تكليف مباشر من العميد غياث دلا، أحد قادة الفرقة الرابعة التي كان يقودها ماهر الأسد. وقد أشرف المتهم على تسليح وتمويل هاتين المجموعتين اللتين ضمتا نحو 30 مقاتلاً، ولعبتا دوراً في قمع الاحتجاجات السلمية في بداياتها.
صعود أمير حرب: استغلال النفوذ وتأسيس المليشيات
لفهم سياق هذه المحاكمة، لا بد من العودة إلى السنوات الأولى للثورة السورية عام 2011. مع اتساع رقعة الاحتجاجات، اعتمد النظام السابق بشكل كبير على تشكيل مليشيات رديفة لقواته العسكرية، عُرفت بـ “الشبيحة”، لقمع المتظاهرين بعنف شديد. في هذا المناخ، استغل أفراد من عائلة الأسد، ومن بينهم وسيم، نفوذهم وصلاتهم لتأسيس وقيادة هذه المجموعات المسلحة. أسس وسيم مليشيات محلية تحت اسم “درع الأمن العسكري”، والتي عُرفت لاحقاً بـ “درع الأسد”، ونفذت عمليات اعتقال وقمع واسعة النطاق، مستهدفة النشطاء المدنيين والمحتجين. ارتبط اسمه بالعديد من حوادث القتل والخطف والابتزاز، مستغلاً اسم عائلته لفرض سلطته في الساحل السوري ومناطق أخرى.
تفاصيل لائحة الاتهام في محاكمة وسيم الأسد
تتضمن لائحة الاتهام تفاصيل دقيقة حول الأنشطة الإجرامية المنسوبة للمتهم. فهو متهم بالتحريض العلني على العنف الطائفي عبر منشورات ومقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث كان يصف المعارضين بـ “الإرهابيين” ويشجع على قتالهم. كما وجه له الادعاء تهمة إدارة نشاط منظم لتهريب المواد المخدرة، وتحديداً حبوب الكبتاغون، داخل وخارج سوريا على مدى سنوات، مستغلاً نفوذه لتسهيل عمليات التهريب عبر الحدود. وأشارت المحكمة إلى تورطه، بشكل مباشر أو غير مباشر، في عمليات عسكرية أدت إلى مجازر بحق المدنيين، من بينها هجوم وقع في 2 يناير 2013 في منطقة المليحة بالغوطة الشرقية وأسفر عن سقوط عشرات الضحايا. وقد اعتبر القاضي فخر الدين العريان، رئيس محكمة الجنايات في دمشق، أن الأفعال المنسوبة للمتهم تندرج ضمن هجوم واسع النطاق وممنهج استهدف السكان المدنيين، مما قد يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية واتفاقيات جنيف، مؤكداً أن هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم ولا يشملها أي عفو.
خطوة نحو المساءلة وتحديات العدالة الانتقالية
تحمل محاكمة وسيم الأسد أهمية رمزية وقانونية كبيرة. فهي تمثل إحدى أولى المحاكمات العلنية لشخصية بارزة من الدائرة المقربة للنظام السابق داخل سوريا، مما يبعث برسالة قوية حول التوجه نحو إنهاء حقبة الإفلات من العقاب. يرى مراقبون أن هذه المحاكمة قد تكون بداية لمسار طويل من العدالة الانتقالية، يهدف إلى محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة التي وقعت خلال العقد الماضي. إن نجاح هذه المحاكمة في تحقيق العدالة للضحايا وتقديم حكم عادل ومستقل، سيمثل اختباراً حقيقياً لجدية السلطات الجديدة في بناء دولة القانون والمؤسسات. ويبقى التحدي الأكبر هو ضمان استقلالية القضاء وتوفير الحماية للشهود، خاصة في ظل تعقيدات المشهد السوري الحالي، لضمان أن تكون هذه المحاكمة خطوة حقيقية نحو المصالحة الوطنية وليس مجرد تصفية حسابات سياسية.


