في خطوة سياسية بارزة تعكس الانقسامات العميقة في واشنطن، أقر مجلس الشيوخ الأمريكي قراراً يهدف إلى الحد من سلطة الرئيس دونالد ترامب في شن عمل عسكري ضد طهران. ويأتي هذا التشريع، الذي حظي بدعم من الحزبين، ليؤكد من جديد على سلطة الكونغرس الدستورية في إعلان الحرب، ويشكل تحدياً مباشراً للسياسة الخارجية التي تنتهجها الإدارة الأمريكية تجاه طهران، خاصة فيما يتعلق بملف صلاحيات الحرب ضد إيران.
خلفيات التصويت وتصاعد التوترات
لم يأتِ هذا القرار من فراغ، بل كان تتويجاً لحالة من التوتر المتصاعد التي كادت أن تدفع الولايات المتحدة وإيران إلى حافة مواجهة عسكرية شاملة. بدأت الأزمة تتفاقم بشكل خطير في أوائل عام 2020، وتحديداً بعد اغتيال الجنرال الإيراني البارز قاسم سليماني في غارة جوية أمريكية بطائرة بدون طيار بالقرب من مطار بغداد. اعتبرت هذه العملية، التي أمر بها الرئيس ترامب، تصعيداً كبيراً دفع إيران إلى الرد بشن هجمات صاروخية على قواعد عسكرية تستضيف قوات أمريكية في العراق.
أثارت هذه التطورات السريعة قلقاً واسعاً داخل الكونغرس، حيث خشي العديد من المشرعين من أن الإدارة قد تنجر إلى حرب واسعة النطاق دون تفويض أو استشارة كافية من السلطة التشريعية. وفي هذا السياق، تحرك أعضاء في مجلسي النواب والشيوخ لتفعيل “قرار صلاحيات الحرب” لعام 1973، وهو قانون فيدرالي يهدف إلى التحقق من قدرة الرئيس على إلزام الولايات المتحدة بنزاع مسلح دون موافقة الكونغرس.
صلاحيات الحرب ضد إيران: الكونغرس يؤكد سلطته
شهد التصويت على القرار لحظة نادرة من التعاون بين الحزبين في قضية تتعلق بالأمن القومي، حيث انضم عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين إلى زملائهم الديمقراطيين لتمرير الإجراء. جاءت نتيجة التصويت النهائية بأغلبية 55 صوتاً مقابل 45، مما أرسل رسالة قوية إلى البيت الأبيض مفادها أن هناك معارضة كبيرة داخل الحزب الجمهوري نفسه لفكرة الدخول في حرب جديدة في الشرق الأوسط.
ينص القرار على مطالبة الرئيس بسحب القوات الأمريكية المشاركة في الأعمال العدائية ضد إيران في غضون 30 يوماً، ما لم يعلن الكونغرس الحرب صراحة أو يمنح تفويضاً محدداً لاستخدام القوة العسكرية. ورغم أن الرئيس ترامب توعد باستخدام حق النقض (الفيتو) ضد القرار، وهو ما فعله لاحقاً، إلا أن مجرد تمريره في مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الجمهوريون كان بمثابة توبيخ رمزي كبير لسياسته الخارجية وتأكيد على دور الكونغرس المحوري في قرارات الحرب والسلام.
تداعيات وانتقادات داخلية
أثار القرار جدلاً واسعاً، حيث اعتبره المؤيدون خطوة ضرورية لاستعادة التوازن الدستوري ومنع رئيس مندفع من إشعال صراع كارثي. في المقابل، انتقد المعارضون، ومعظمهم من الجمهوريين المحافظين، القرار بشدة، بحجة أنه يقيد يدي القائد الأعلى للقوات المسلحة ويظهر ضعفاً للأعداء. وأعرب بعضهم عن قلقهم من أن مثل هذا الإجراء قد يجرّئ إيران ووكلائها في المنطقة، ويقوض حملة “الضغط الأقصى” التي كانت تهدف إلى إجبار طهران على التفاوض بشأن برنامجها النووي والصاروخي وسلوكها الإقليمي.
تعكس هذه المواقف المتباينة النقاش الأوسع في الولايات المتحدة حول دورها في العالم وكيفية استخدام قوتها العسكرية، وهو نقاش اكتسب زخماً جديداً في ظل إدارة ترامب التي تحدت العديد من الأعراف التقليدية للسياسة الخارجية الأمريكية.


