كشفت مصادر دبلوماسية عن مسودة “مذكرة تفاهم” قد ترسم ملامح مرحلة جديدة في العلاقات المتوترة بين واشنطن وطهران، حيث يطرح الاتفاق الأمريكي الإيراني المحتمل إطاراً لإنهاء التصعيد مقابل حزمة من المزايا الاقتصادية. ووفقاً لوكالة “بلومبيرغ”، فإن المفاوضات الجارية تهدف إلى التوصل لتسوية دائمة تعالج المخاوف الدولية بشأن البرنامج النووي الإيراني خلال فترة لا تتجاوز 60 يوماً، وهو ما يمثل تحولاً كبيراً في مسار الأزمة الممتدة منذ سنوات.
تأتي هذه المحاولة الدبلوماسية في سياق تاريخي معقد، يعود جذوره إلى الاتفاق النووي لعام 2015 (خطة العمل الشاملة المشتركة)، الذي انسحبت منه الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب عام 2018، معيدة فرض عقوبات اقتصادية قاسية ضمن سياسة “الضغط الأقصى”. هذا الانسحاب دفع إيران إلى التراجع تدريجياً عن التزاماتها النووية وزيادة مستويات تخصيب اليورانيوم، مما أثار قلق القوى العالمية والوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأدى إلى تصاعد التوترات في منطقة الخليج، بما في ذلك حوادث استهداف ناقلات النفط والمنشآت الحيوية.
ملامح الاتفاق الأمريكي الإيراني وشروطه الأساسية
بحسب المسودة المسربة، التي بدأت واشنطن في مشاركتها مع حلفائها في مجموعة السبع، فإن الصفقة تقوم على معادلة واضحة: التزامات أمنية مشددة من إيران مقابل انفراجة اقتصادية واسعة. وتلزم المذكرة طهران بثلاثة تعهدات رئيسية: أولاً، تجديد الالتزام بعدم السعي مطلقاً لامتلاك سلاح نووي. ثانياً، التخلص من المواد المخصبة التي تتجاوز الحدود المتفق عليها. وثالثاً، ضمان حرية الملاحة الدولية في مضيق هرمز، الشريان الحيوي لإمدادات النفط العالمية.
في المقابل، ستحصل إيران على مزايا اقتصادية فورية، حيث ستصدر وزارة الخزانة الأمريكية إعفاءات تسمح لطهران باستئناف صادراتها من النفط الخام والمنتجات البتروكيماوية فور توقيع المذكرة. كما ستنهي الولايات المتحدة حصارها البحري على الموانئ الإيرانية، مع العمل على إعادة حركة الملاحة في مضيق هرمز إلى طبيعتها خلال 30 يوماً.
أبعاد اقتصادية وتحديات إقليمية
لعل أبرز ما يميز هذا الاتفاق المقترح هو خطة التنمية الاقتصادية الضخمة التي تلتزم بها الولايات المتحدة وشركاؤها الإقليميون، والتي تهدف إلى إعادة إعمار إيران وتنميتها اقتصادياً بتمويل لا يقل عن 300 مليار دولار. ورغم أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفى في وقت سابق وجود مثل هذه الخطة، إلا أن المسودة تشير إليها كجزء أساسي من الحوافز المقدمة. ومع ذلك، يكتنف الغموض مسألة الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، حيث تكتفي المسودة بعبارة “سيُفرج عنها وستصبح متاحة بالكامل” دون تحديد جدول زمني واضح.
على الصعيد الإقليمي، يواجه الاتفاق عقبات كبرى، أبرزها الحرب الدائرة في المنطقة. إذ تنص المسودة على ضرورة إنهاء الحرب “على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان”، وهو شرط يتطلب موافقة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يرفض حتى الآن وقف إطلاق النار. إن نجاح هذا المسار الدبلوماسي لا يعتمد فقط على التوافق بين واشنطن وطهران، بل أيضاً على مدى القدرة على احتواء الصراعات الإقليمية التي تتشابك مع الملف النووي، مما يجعل الأسابيع القادمة حاسمة لمستقبل أمن واستقرار الشرق الأوسط.


