أثارت الدكتورة ريمة اليحيا، عضو مجلس الشورى، قضية محورية تتعلق بواقع التأمين الصحي لكبار السن في المملكة، مؤكدةً أن هذه الفئة، التي تعد الأكثر احتياجاً للرعاية الصحية، تواجه خيارات تأمينية محدودة لا تتناسب مع متطلباتها المتزايدة. ودعت اليحيا هيئة التأمين إلى التدخل العاجل لتعزيز حماية حقوق المؤمن لهم من كبار السن، ودراسة التحديات التي تعترض طريقهم للحصول على تغطية شاملة وعادلة، مشددة على أن نجاح قطاع التأمين يُقاس بمدى قدرته على حماية حقوق المستفيدين وترسيخ مبادئ العدالة والشفافية.
خلفية المشهد: تطور الرعاية الصحية ورؤية 2030
يأتي هذا النقاش في وقت تشهد فيه المملكة العربية السعودية تحولاً جذرياً في قطاعها الصحي، تماشياً مع مستهدفات رؤية 2030 التي تضع جودة الحياة ورفاهية المواطن في مقدمة أولوياتها. تاريخياً، اعتمد نظام الرعاية الصحية بشكل كبير على التمويل الحكومي المباشر، ولكن مع التطورات الاقتصادية والاجتماعية، برز نظام التأمين الصحي التعاوني كأداة أساسية لزيادة كفاءة القطاع وإشراك القطاع الخاص في تقديم الخدمات. ومع ذلك، فإن تطبيق هذا النظام كشف عن وجود فجوات تنظيمية، أبرزها ما يتعلق بتوفير منتجات تأمينية مستدامة وميسورة التكلفة لكبار السن، الذين يمثلون شريحة سكانية متنامية تحظى باهتمام خاص ضمن برامج الرؤية لضمان حياة كريمة لهم.
تحديات تواجه منظومة التأمين الصحي لكبار السن
أوضحت الدكتورة اليحيا أن أبرز التحديات التي يواجهها كبار السن تكمن في محدودية الخيارات المتاحة أمامهم، والتي غالباً ما تكون بأسعار مرتفعة جداً، مما يحرمهم من الحماية التأمينية في مرحلة عمرية هم في أمس الحاجة إليها. وأضافت أن بعض المؤمن لهم يواجهون صعوبات متكررة في الحصول على الموافقات لصرف الوصفات الطبية، خاصة لأدوية الأمراض المزمنة التي تتطلب متابعة مستمرة، حيث تفرض بعض الشركات إجراءات إضافية أو موافقات متكررة تعرقل وصول العلاج للمريض في وقته. كما لفتت إلى أن تحديد أسعار الخدمات بشكل لا يغطي كامل الإجراء الطبي، حتى مع وجود رصيد كافٍ في بوليصة التأمين، يؤخر حصول المرضى على العلاج اللازم ويزيد من الأعباء على الكوادر الطبية والمؤسسات الصحية.
الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية للقضية
إن محدودية تغطية التأمين الصحي للمسنين لا تقتصر آثارها على الجانب الصحي فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً اجتماعية واقتصادية عميقة. فعلى المستوى الأسري، يضع هذا الوضع عبئاً مالياً كبيراً على عاتق الأسر التي تضطر لتحمل تكاليف العلاج الباهظة، مما قد يؤثر على استقرارها المالي. وعلى المستوى الوطني، فإن عدم قدرة كبار السن على الوصول للرعاية الصحية عبر القطاع الخاص يزيد من الضغط على المستشفيات والمرافق الصحية الحكومية. ومن هنا، فإن إيجاد حلول مبتكرة لهذه المشكلة لا يمثل فقط التزاماً أخلاقياً تجاه هذه الفئة، بل هو ضرورة استراتيجية لضمان استدامة النظام الصحي وتحقيق أهداف التنمية الشاملة التي تسعى إليها المملكة.
واختتمت اليحيا حديثها بالتأكيد على أن التأمين في جوهره ليس مجرد منتج مالي، بل هو أداة للأمان والحماية الاجتماعية. ودعت إلى تعزيز الرقابة والشفافية في العلاقة التعاقدية بين شركات التأمين ومقدمي الخدمات الصحية، بما يضمن استدامة الخدمات وجودتها، ويرفع من كفاءة القطاع الصحي ككل، تحقيقاً لمستهدفات جودة الحياة والرعاية الصحية المستدامة.


