في تصعيد دبلوماسي لافت، وضع الكرملين شرطاً أساسياً لأي زيارة محتملة للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى موسكو، مؤكداً أن الباب مفتوح شرط “الجدية” في خوض المفاوضات. يأتي هذا الموقف في وقت تتكثف فيه التحركات الأمريكية، حيث أعلن المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، عن زيارة مرتقبة للمبعوثين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى روسيا، مما يضيف بعداً جديداً للمشهد السياسي المعقد. وتأتي هذه التطورات لتسلط الضوء على شروط الكرملين لزيارة زيلينسكي، والتي تبدو مرتبطة بمسار أوسع من المبادرات الدبلوماسية التي تقودها واشنطن.
تعود جذور الأزمة الروسية الأوكرانية إلى عقود من التوترات الجيوسياسية، لكنها بلغت ذروتها مع اندلاع النزاع العسكري في فبراير 2022. ومنذ ذلك الحين، مرت العلاقات بين البلدين بمراحل متعددة من المواجهات العسكرية والمفاوضات المتقطعة التي لم تفضِ إلى حل دائم. وشكلت جولات المحادثات السابقة، سواء في بيلاروسيا أو تركيا، محاولات لم تكتمل للتوصل إلى تسوية، مما جعل موسكو تشدد حالياً على ضرورة وجود إرادة حقيقية من جانب كييف للتعاطي مع القضايا الجوهرية، وهو ما لخصه بيسكوف في شرط “الجدية والمسؤولية”.
تحركات دبلوماسية أمريكية ومبادرة ترامب
على صعيد متصل، كشف بيسكوف أن موعد زيارة ويتكوف وكوشنر، المقربين من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لم يُحدد بدقة بعد، مرجعاً ذلك إلى ارتباطه بتوقيع مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران. وأوضح أن المباحثات حول زيارتهما جرت خلال اتصال هاتفي بين الرئيسين فلاديمير بوتين ودونالد ترامب في 14 يونيو. وأضاف بيسكوف: “بمجرد الاتفاق على المواعيد، سنوافيكم بها”. هذا الربط بين الملف الإيراني والتحركات نحو روسيا يشير إلى استراتيجية أمريكية أوسع تهدف إلى معالجة عدة قضايا دولية بشكل متزامن، حيث يرى ترامب أن حل الصراع في أوكرانيا يمثل أولوية ملحة.
وقد شدد الرئيس ترامب، على هامش قمة مجموعة السبع في فرنسا، على ضرورة أن “تبرم روسيا اتفاقاً” مع أوكرانيا لإنهاء النزاع الذي تسبب في خسائر بشرية فادحة للطرفين. وأشار ترامب إلى أنه عقد “اجتماعاً جيداً” مع الرئيس زيلينسكي وسيلتقيه مجدداً، مؤكداً أن دافعه الأساسي للتدخل هو الكلفة الإنسانية الباهظة للحرب، قائلاً: “السبب الوحيد الذي يدفعني إلى التدخل هو أنني لا أحب أن أرى 25 ألف شاب يموتون كل شهر”.
أبعاد الموقف الروسي وشروط الكرملين لزيارة زيلينسكي
إن ترحيب الكرملين بزيارة زيلينسكي، وإن كان مشروطاً، يعكس رغبة روسية في إظهار الانفتاح على الحوار، ولكنه يضع الكرة في ملعب كييف. فمن خلال التأكيد على “الجدية”، تبعث موسكو برسالة مفادها أنها لن تقبل بمفاوضات شكلية لا تتناول القضايا التي تعتبرها أساسية لأمنها القومي. وقال بيسكوف في هذا الصدد: “لقد قال الرئيس بوتين مراراً وتكراراً إنه إذا كان زيلينسكي مستعداً للحديث بمسؤولية وجدية، والنظام في كييف يدرك ذلك تماماً، فبإمكانه دائماً القدوم إلى موسكو، حيث سيتم استقباله”. إن أي تقدم على هذا المسار لن ينهي الصراع المدمر فحسب، بل سيعيد تشكيل الخارطة الأمنية في أوروبا الشرقية ويترك تداعيات اقتصادية وسياسية واسعة على الصعيدين الإقليمي والدولي.


