في تحليل معمق، سلطت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية الضوء على الاتفاق الأخير الذي تم التوصل إليه بين الولايات المتحدة وإيران، واصفة إياه بأنه “أقل الخيارات سوءًا” في ظل الأزمة المتصاعدة التي هزت الشرق الأوسط وأثرت بشكل مباشر على أسواق الطاقة العالمية. ورغم أن هذه الخطوة تمثل بارقة أمل، إلا أن الصحيفة تؤكد أنها لا تشكل تسوية دائمة للصراع، مشيرة إلى أن نجاح أي جهد دبلوماسي، بما في ذلك صفقة إيران الحالية، يبقى مرهونًا بتوازنات سياسية معقدة أبرزها الموقف الإسرائيلي.
يمدد الاتفاق المؤقت وقف إطلاق النار الذي أُعلن في 8 أبريل لمدة 60 يومًا إضافية، وهي فترة حاسمة تهدف إلى معالجة الملفات الأكثر تعقيدًا، وعلى رأسها مستقبل البرنامج النووي الإيراني. تأتي هذه الهدنة كضرورة إنسانية ملحة بعد سقوط أكثر من 7 آلاف قتيل، بينهم نحو 4 آلاف شخص قضوا في الضربات الإسرائيلية على لبنان، والتي شهدت تصعيدًا خطيرًا في المواجهات بين إسرائيل وحزب الله، مما دفع المنطقة إلى حافة حرب شاملة.
تحديات دبلوماسية ومستقبل صفقة إيران
لا يخلو المسار الدبلوماسي من العقبات، حيث يواجه الاتفاق معارضة شرسة من أطراف متعددة. ففي واشنطن، يعارضه الصقور الذين يتبنون نهجًا متشددًا تجاه طهران. وفي إيران، يقف المتشددون حجر عثرة أمام أي تقارب مع الغرب. لكن التحدي الأكبر، بحسب الصحيفة، يأتي من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي أظهر تفضيله المستمر للحلول العسكرية على الدبلوماسية. هذا الموقف يضع الاتفاق برمته على المحك، حيث أن أي عمل عسكري إسرائيلي أحادي الجانب قد ينسف الجهود المبذولة ويعيد المنطقة إلى مربع العنف.
على الجانب الآخر، تبدو إيران مدفوعة نحو التهدئة بعد تكبدها خسائر فادحة وتفاقم أزماتها الاقتصادية الداخلية، التي تشمل تضخمًا متسارعًا وتزايد السخط الشعبي. هذه العوامل تجعل من الانخراط الجدي في المفاوضات خيارًا استراتيجيًا لطهران لتخفيف الضغوط الداخلية والخارجية.
دور واشنطن في ضمان استقرار المنطقة
تؤكد “فايننشال تايمز” أن نجاح الاتفاق يعتمد بشكل كبير على قدرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على “كبح جماح نتنياهو”. وتمتلك واشنطن أدوات ضغط حقيقية وفعالة، فإسرائيل تعتمد بشكل كبير على الدعم العسكري الأمريكي المتقدم والغطاء السياسي الذي توفره لها الولايات المتحدة في المحافل الدولية. وقد ظهر هذا التأثير جليًا عندما كادت ضربة إسرائيلية استهدفت بيروت أن تقوض التفاهمات قبل أيام من توقيعها، مما دفع الرئيس ترامب إلى توجيه انتقاد علني نادر لنتنياهو. هذا الموقف يبرهن على أن الإدارة الأمريكية قادرة على التأثير على قرارات حليفتها الاستراتيجية لضمان عدم انهيار المسار الدبلوماسي الهش، والذي يُعد الأمل الوحيد حاليًا لتجنب حرب إقليمية مدمرة.


