في تطور لافت يعكس عمق الأزمة التي تعصف بصفوفها، تتواصل سلسلة انشقاقات الدعم السريع في السودان، حيث أعلنت مصادر سودانية مطلعة عن انشقاق القيادي البارز فارس النور إبراهيم، الذي يعد الخامس من نوعه على مستوى القيادات العليا خلال الأشهر القليلة الماضية. ويمثل هذا الانشقاق ضربة جديدة لميليشيا الدعم السريع التي يقودها محمد حمدان دقلو (حميدتي)، في وقت تواجه فيه ضغوطاً عسكرية متزايدة وخسائر ميدانية فادحة أمام الجيش السوداني.
ووفقاً للمعلومات التي نقلتها قناتا “العربية” و”الحدث”، فإن فارس النور إبراهيم لم يكن مجرد قائد عادي، بل كان شخصية محورية في الهيكل التنظيمي والسياسي للقوات. فقد شغل منصب عضو المجلس الرئاسي بتحالف تأسيس التابع للدعم السريع، كما عينه حميدتي حاكماً لولاية الخرطوم، بالإضافة إلى عمله كمستشار مقرب لقائد القوات لسنوات طويلة، مما يجعل رحيله خسارة استراتيجية ومعنوية كبيرة.
جذور الصراع وتآكل بنية الدعم السريع
لفهم أبعاد هذه الانشقاقات، لا بد من العودة إلى جذور الصراع الذي اندلع في أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. نشأت هذه القوات في الأصل من ميليشيات الجنجويد التي قاتلت في دارفور، وتمت هيكلتها لاحقاً كقوة شبه عسكرية قوية تحت قيادة حميدتي. إلا أن الخلافات حول دمجها في الجيش الوطني والسيطرة على الموارد أشعلت فتيل حرب مدمرة. ومع استمرار القتال، بدأت بنية الدعم السريع، التي تعتمد بشكل كبير على الولاءات القبلية والمصالح المادية، في التآكل. وتأتي هذه الانشقاقات كتعبير عن تزايد السخط الداخلي بسبب الخسائر البشرية الهائلة، وتصاعد الاتهامات بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات واسعة بحق المدنيين في المدن التي تسيطر عليها، مثل الخرطوم وود مدني.
سلسلة انشقاقات الدعم السريع.. مؤشر على الانهيار؟
لم يكن انشقاق فارس النور حدثاً معزولاً. فقد سبقه رحيل قادة بارزين آخرين شكلوا العمود الفقري للقوات في مناطق عملياتهم. ففي مايو الماضي، انشق القيادي بشارة الهويرة، مسؤول العمليات العسكرية بمحور منطقة بارا في شمال كردفان. وقبله في أبريل، أعلن القائد الشهير علي رزق الله، المعروف بـ”السافنا”، انضمامه للجيش السوداني مع قواته في عطبرة. كما انشق النور آدم، الملقب بـ”النور القبة”، في فبراير الماضي وغادر مع قواته مواقعهم في شمال دارفور. ويضاف إلى هذه القائمة أبو عاقلة كيكل، أحد أبرز قادة الدعم السريع في ولاية الجزيرة، الذي أعلن تعاونه مع الجيش، في خطوة اعتبرت نقطة تحول مهمة في مسار المعارك وسط السودان. يرى المراقبون أن هذه السلسلة من الانشقاقات لا تضعف القدرة القتالية للقوات فحسب، بل تقوض أيضاً سرديتها وتفقدها الحاضنة الاجتماعية والقبلية التي اعتمدت عليها طويلاً.
التداعيات المحتملة على مستقبل السودان
إن استمرار هذه الانشقاقات يحمل في طياته تداعيات عميقة على مسار الحرب ومستقبل السودان. على الصعيد العسكري، قد يؤدي ذلك إلى انهيار معنويات المقاتلين وتسريع تفكك القوات، مما يمنح الجيش السوداني تفوقاً حاسماً في الميدان. سياسياً، يضعف هذا التصدع موقف الدعم السريع في أي مفاوضات مستقبلية محتملة، ويقلل من شرعيتها كطرف فاعل في المعادلة السودانية. أما على الصعيد الإنساني، فبينما قد يبشر تراجع الدعم السريع بقرب انتهاء الصراع، إلا أن مرحلة ما بعد تفكك هذه القوات قد تفتح الباب أمام فوضى أمنية وانتشار السلاح، مما يتطلب خطة وطنية وإقليمية محكمة لإعادة الاستقرار وإرساء أسس السلام الدائم في البلاد التي أنهكتها الحرب.


