في تصعيد دبلوماسي خطير، وجهت الحكومة السودانية نداءً عاجلاً إلى مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة، مطالبةً بالتدخل الفوري لإطلاق سراح ما يزيد عن 21 ألف شخص، بينهم أسرى حرب ومدنيون، يُحتجزون قسراً في معتقلات الدعم السريع بدارفور. وكشفت مذكرة رسمية قدمها مندوب السودان الدائم لدى الأمم المتحدة، الحارث إدريس، عن تفاصيل مروعة حول الظروف اللاإنسانية التي يعاني منها المحتجزون في سجون سرية وجماعية، واصفة الوضع بأنه “كارثي” بكل المقاييس.
صراع ممتد وأزمة إنسانية متفاقمة
تأتي هذه المناشدة في سياق الصراع الدامي الذي اندلع في السودان منذ أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. وقد أصبح إقليم دارفور، الذي يحمل إرثاً ثقيلاً من الصراعات والانتهاكات الإنسانية منذ أوائل الألفية، مسرحاً لبعض أعنف فصول هذه الحرب. وتُعد قوات الدعم السريع، التي انبثقت عن ميليشيات الجنجويد المتهمة بارتكاب فظائع في نزاع دارفور السابق، طرفاً رئيسياً في النزاع الحالي، حيث تسيطر على أجزاء واسعة من الإقليم. إن الكشف عن وجود معتقلات بهذا الحجم يسلط الضوء على البعد المأساوي للأزمة الإنسانية في الإقليم، ويثير مخاوف جدية بشأن ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية على نطاق واسع، مما يستدعي تحركاً دولياً عاجلاً لوقف الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.
أرقام صادمة من داخل معتقلات الدعم السريع بدارفور
قدمت المذكرة الحكومية إحصائيات مفصلة وصادمة لأعداد المحتجزين وأماكن تواجدهم، مما يرسم صورة قاتمة للوضع. وبحسب المذكرة، يتوزع المحتجزون بشكل أساسي على معتقلين رئيسيين:
- سجن دقريس (قرب نيالا، جنوب دارفور): يؤوي هذا المعتقل العدد الأكبر من المحتجزين، بإجمالي يقارب 19,800 شخص. وتشمل هذه الأعداد 3,795 من أفراد الجيش، 4,270 من قوات الشرطة، 544 من جهاز المخابرات، و73 من الكوادر الطبية. والأخطر من ذلك هو وجود أكثر من 10,500 مدني، بينهم 690 امرأة.
- سجن شالا (الفاشر، شمال دارفور): يضم هذا السجن حوالي 1,288 محتجزاً، من بينهم 881 أسيراً عسكرياً و407 مدنيين. وتكشف الأرقام عن وجود 113 طفلاً دون سن الثامنة عشرة بين المحتجزين، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني.
انتهاكات ممنهجة وظروف احتجاز مميتة
لم تقتصر المذكرة على الأرقام، بل وثقت شهادات عن انتهاكات جسيمة يتعرض لها المعتقلون، بما في ذلك التعذيب الممنهج عبر الصدمات الكهربائية، والضرب المبرح، وإطفاء أعقاب السجائر على أجسادهم. كما اتهمت الحكومة السودانية قوات الدعم السريع بإدارة شبكة منظمة لاستئصال وزراعة الأعضاء البشرية داخل سجن دقريس، يشارك فيها عناصر طبية أجنبية، مع التخلص من جثامين الضحايا لإخفاء الأدلة. وتؤدي الظروف الصحية المتردية إلى وفيات مستمرة، حيث يسجل سجن دقريس أكثر من 4 وفيات أسبوعياً بسبب الجوع وتفشي أمراض مثل الكوليرا، بينما شهد سجن شالا وفاة نحو 300 معتقل خلال شهرين فقط نتيجة تعفن جروح المصابين وغياب الرعاية الطبية. في المقابل، نفت مصادر تابعة للدعم السريع هذه الاتهامات، معتبرة إياها “تقارير مختلقة” من استخبارات الجيش بهدف تشويه صورتها دولياً.


