تصعيد جديد يعزل محافظة البيضاء عن العالم
في خطوة جديدة تهدف إلى إحكام قبضتها على مفاصل الحياة في اليمن، شرعت ميليشيا الحوثي في عملية تفكيك الاتصالات الأرضية في البيضاء، وتحديداً في مديرية الشريعة. هذا الإجراء المنهجي لا يمثل مجرد قطع لخدمة أساسية، بل يعد جزءاً من استراتيجية أوسع لتعميق عزلة المناطق الخاضعة لسيطرتها، مما يثير مخاوف جدية لدى السكان والمنظمات الإنسانية من تفاقم الأزمة الإنسانية الخانقة التي تعيشها البلاد منذ سنوات.
تأتي هذه الخطوة استكمالاً لمسلسل طويل من السيطرة على قطاع الاتصالات الذي بدأ منذ استيلاء الجماعة على العاصمة صنعاء في عام 2014. ومنذ ذلك الحين، تحول قطاع الاتصالات إلى أداة استراتيجية بيد الحوثيين، يستخدمونه ليس فقط لتحقيق مكاسب مالية عبر فرض رسوم باهظة، بل أيضاً كأداة رقابية وعسكرية لفرض السيطرة الكاملة على تدفق المعلومات ومراقبة الأفراد، وعزل أي مناطق قد تشهد حراكاً مناوئاً لهم.
تداعيات تفكيك الاتصالات الأرضية في البيضاء على المدنيين
إن قرار تفكيك شبكة الاتصالات الأرضية والإنترنت في مديرية الشريعة له أبعاد تتجاوز مجرد تعطيل خدمة. فعلى الصعيد المحلي، يؤدي هذا الإجراء إلى حرمان آلاف السكان من وسيلة التواصل الأساسية والأقل تكلفة، خاصة في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية. يعتمد الكثيرون على الإنترنت الأرضي في التعليم عن بعد، والوصول إلى المعلومات الصحية، والتواصل مع أقاربهم في الداخل والخارج. كما أن هذه الخطوة تشل الأعمال التجارية الصغيرة التي تعتمد على الاتصالات لإدارة أنشطتها، مما يزيد من معدلات البطالة والفقر.
وتتزامن هذه الإجراءات مع تداول وثيقة صادرة عن المؤسسة العامة للاتصالات الخاضعة لسيطرة الحوثيين، توجه بإزالة مكونات الشبكة، مما يؤكد أن العملية ممنهجة وليست عشوائية. وتأتي بعد خطوات مماثلة تم تنفيذها خلال الأشهر الماضية في محافظتي المحويت وعمران، حيث تم سحب الكابلات النحاسية وإزالة الكبائن والتجهيزات، وسط تحذيرات من أن الهدف قد يكون بيع هذه المكونات كمصدر دخل إضافي للجماعة، أو استبدالها بشبكات جديدة يسهل التحكم بها ومراقبتها بشكل كامل.
أهداف استراتيجية وراء تدمير البنية التحتية
لا يمكن فصل هذه الممارسات عن السياق العسكري والسياسي الأوسع في اليمن. فمحافظة البيضاء تتمتع بأهمية استراتيجية نظراً لموقعها الجغرافي الذي يربط بين عدة محافظات. غالباً ما يسبق قطع الاتصالات وخلق تعتيم إعلامي كامل عمليات عسكرية أو حملات قمع واسعة، حيث يهدف الفاعلون إلى منع تسريب أي معلومات عن انتهاكات قد تحدث. إن عزل منطقة بأكملها عن العالم الخارجي يمنح الميليشيا حرية أكبر في التحرك دون رقابة إعلامية أو حقوقية، ويزيد من صعوبة وصول المنظمات الإنسانية لتقييم الاحتياجات وتقديم المساعدات العاجلة للمتضررين. هذه السياسة لا تدمر البنية التحتية الحيوية لليمن فحسب، بل تقوض أي أمل في تحقيق استقرار مستقبلي، وتترك المواطن اليمني وحيداً في مواجهة العزلة والحرمان.


