في خضم التصعيد العسكري المتنامي بين إيران والولايات المتحدة، تبدو منطقة الشرق الأوسط وكأنها تقف على حافة مواجهة مفتوحة قد تتجاوز حدود الحسابات التقليدية. ورغم التهديدات المتبادلة وارتفاع وتيرة الاستعراضات العسكرية، فإن احتمالات التوصل إلى تفاهم بين الطرفين لا تزال قائمة، بل باتت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، حيث يظل الخيار الدبلوماسي هو السبيل الأكثر عقلانية لتجنب صراع ستكون تداعياته كارثية على الجميع.
جذور التوتر: مسار طويل من انعدام الثقة
لم تبدأ الأزمة الحالية من فراغ، بل هي امتداد لعقود من العلاقات المتوترة بين واشنطن وطهران منذ الثورة الإيرانية عام 1979. وقد شهدت هذه العلاقة محطات من الصدام والهدوء النسبي، كان أبرزها الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) في عام 2015، الذي اعتبر انتصاراً للدبلوماسية الدولية. لكن الانسحاب الأمريكي من الاتفاق عام 2018 وإعادة فرض العقوبات المشددة ضمن سياسة “الضغوط القصوى” أعاد التوترات إلى ذروتها، ووضع المنطقة مجدداً على مسار تصادمي، حيث ردت إيران بتسريع برنامجها النووي وزيادة نفوذها الإقليمي عبر وكلائها.
تكلفة الحرب: حسابات معقدة ومخاطر عالمية
تدرك واشنطن أن استمرار الحرب أو الانجرار إلى مواجهة مباشرة يعني اتساع رقعة الفوضى في الشرق الأوسط، وتهديد المصالح الاستراتيجية الأمريكية، بما في ذلك أمن حلفائها وأمن ممرات الطاقة العالمية، خاصة مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من نفط العالم. وفي المقابل، تعلم طهران أن الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد يضع اقتصادها المنهك تحت ضغط غير مسبوق، ويهدد استقرارها الداخلي، ويفتح الباب أمام خسائر سياسية وعسكرية قد تصل إلى حد تقويض أسس النظام. إن أي شرارة في هذه المنطقة الملتهبة لن تؤثر على الطرفين المتحاربين فحسب، بل ستمتد آثارها لتشمل الاقتصاد العالمي واستقرار المنطقة لعقود قادمة.
لماذا يبقى الخيار الدبلوماسي هو الأمل الوحيد؟
من هنا، يبدو الخيار الدبلوماسي الأكثر واقعية والأقل كلفة للطرفين. فالتجارب السابقة أثبتت أن القنوات الخلفية وجهود الوساطة التي تقودها أطراف إقليمية ودولية، مثل سلطنة عمان وقطر والاتحاد الأوروبي، لا تتوقف حتى في أكثر اللحظات توتراً. قد تكون هذه الوساطات مفتاحاً لإنتاج تفاهمات مؤقتة تبدأ بوقف التصعيد العسكري، قبل الانتقال إلى ملفات أكثر تعقيداً مثل البرنامج النووي والعقوبات الاقتصادية. بيد أن العقبة الأساسية تكمن في غياب الثقة، إذ تخشى الإدارة الأمريكية أن تمنح إيران وقتاً إضافياً لتعزيز نفوذها، بينما ترى طهران أن واشنطن تستخدم سياسة الضغط والتهدئة وفق مصالحها فقط. لذلك، فإن أي اتفاق محتمل لن يكون “تسوية شاملة” في المدى القريب، بل أقرب إلى هدنة سياسية تمنع الانفجار الكبير، وتفتح الباب لحوار مستقبلي أكثر عمقاً.
المؤكد أن الشرق الأوسط اليوم بات في حاجة ماسة إلى مساحة عقلانية تمنع المنطقة من السقوط في حرب طويلة لا يملك أحد رفاهية تحمل نتائجها. وربما يكون الاتفاق المرتقب، مهما كان، أقل الخيارات سوءاً للجميع.


