في خطوة تعكس تحديات جسيمة وطموحات كبيرة، جدد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني تأكيد إصرار حكومته على المضي قدماً في تطبيق رؤية شاملة تهدف إلى إنقاذ العراق من أزماته المتراكمة. وترتكز هذه الرؤية على ثلاث ركائز أساسية: حصر السلاح بيد الدولة، ومواجهة الفساد المستشري، وتقليص الديون العامة التي تثقل كاهل الاقتصاد. وتأتي هذه الجهود في سياق مرحلة مفصلية يسعى فيها العراق لترسيخ استقراره وتعزيز سيادته الوطنية وحماية قراره المستقل.
إرث ثقيل من التحديات الأمنية والاقتصادية
يعاني العراق منذ سنوات طويلة من تحديات متداخلة، فانتشار السلاح خارج سيطرة الدولة أدى إلى تقويض الأمن والاستقرار، وشكّل عائقاً أمام فرض القانون وهيبة المؤسسات الرسمية. وقد تفاقمت هذه الظاهرة بعد سنوات من الحرب ضد تنظيم داعش الإرهابي، حيث برزت جماعات مسلحة عديدة تعمل أحياناً بمنأى عن السلطة المركزية. على الصعيد الاقتصادي، أدى الفساد الممنهج إلى هدر مئات المليارات من الدولارات، مما حرم المواطنين من خدمات أساسية وأعاق مشاريع التنمية. وتزامنت هذه الآفات مع تراكم ديون ضخمة، داخلية وخارجية، بلغت أكثر من 83 مليار دولار، مما يضع ضغوطاً هائلة على الموازنة العامة للدولة التي تعتمد بشكل كبير على عائدات النفط المتقلبة.
خارطة طريق لإنقاذ العراق: أمن واقتصاد متلازمان
تدرك الحكومة الحالية أن لا استقرار اقتصادياً دون استقرار أمني، والعكس صحيح. لذلك، تبدو خطتها مترابطة بشكل وثيق، حيث يمهد كل ملف الطريق للآخر. وتراهن بغداد على أن فرض سيطرة كاملة على السلاح هو شرط أساسي لجذب استثمارات أجنبية ضخمة، خاصة من الولايات المتحدة ودول الخليج، والتي تقدر بنحو 50 مليار دولار. هذه الاستثمارات ضرورية لتنويع الاقتصاد وخلق فرص عمل وتقليل الاعتماد على القطاع العام المتضخم.
مواجهة الديون بإصلاحات هيكلية
لمعالجة ملف الدين العام، الذي تجاوز فيه الدين الداخلي 96 تريليون دينار عراقي (حوالي 73.3 مليار دولار)، تدرس الحكومة خيارات جريئة. من بين هذه الخيارات تحويل ملكية بعض المؤسسات الحكومية الإنتاجية المثقلة بالديون إلى القطاع الخاص، بهدف تخفيف الأعباء المالية عن الدولة ورفع كفاءتها. ويثير هذا التوجه مخاوف لدى بعض الخبراء بشأن الشفافية والتقييم العادل لأصول الدولة، مستذكرين خططاً مشابهة في عهد حكومة حيدر العبادي عام 2016 لبيع عقارات حكومية لسد العجز المالي آنذاك.
الحرب على الفساد واستعادة الأموال المنهوبة
تُعد مكافحة الفساد حجر الزاوية في برنامج الحكومة، ليس فقط لتحقيق العدالة ولكن كمصدر حيوي لتمويل الخزينة. بدأت المؤشرات الأولى لهذه الحملة باعتقال شخصيات متهمة بالفساد وملاحقة شبكات متورطة في قضايا كبرى مثل ما عُرف إعلامياً بـ”سرقة القرن”. وتشير التقديرات إلى أن نجاح حملة ملاحقة الفاسدين قد يمكن الدولة من استعادة ما يصل إلى 50 مليار دولار من الأموال المنهوبة، وهو مبلغ كفيل بإحداث نقلة نوعية في الاقتصاد العراقي ودعم جهود إعادة الإعمار والتنمية الشاملة التي يتطلع إليها الشعب.


