دخلت الحرب في إيران يومها المئة وسط تصاعد مستمر في حدة التوترات العسكرية وتبادل الضربات الصاروخية والجوية بين واشنطن وطهران. ورغم المساعي الدبلوماسية الحثيثة التي تقودها أطراف إقليمية ودولية، يسيطر الجمود التام على مسار المفاوضات غير المباشرة، مما يهدد بانزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع نطاقاً لا يمكن التنبؤ بتبعاتها الاقتصادية والأمنية على مستوى العالم.
الوساطة الباكستانية ومساعي احتواء الحرب في إيران
في إطار المحاولات الدبلوماسية لكسر الجمود، قام وزير الداخلية الباكستاني، محسن نقوي، بزيارة رسمية إلى العاصمة الإيرانية طهران، حيث كان في استقباله نظيره الإيراني إسكندر مؤمني. وحمل نقوي رسالة خاصة وُصفت بأنها “مهمة جداً” من قائد الجيش الباكستاني، المشير عاصم منير، موجهة مباشرة إلى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي. وتتمحور الرسالة حول شروط وموافقة الولايات المتحدة على تخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران مقابل تقديم تنازلات ملموسة تسهم في إنهاء الصراع الدائر. وتأتي هذه التحركات الباكستانية كجزء من دور إسلام آباد التاريخي كوسيط مقبول لدى الطرفين، في محاولة لمنع تمدد النزاع إلى حدودها الغربية.
مقترح أمريكي لإعادة الإعمار واستخدام الأصول المجمدة
على الصعيد المالي والسياسي، كشفت مصادر مطلعة لوكالة “رويترز” أن الإدارة الأمريكية تدرس خطة تتيح استخدام الأصول الإيرانية المجمدة لإعادة إعمار الأضرار التي سببتها العمليات العسكرية الإيرانية في دول الخليج العربي. وفي هذا السياق، وجّه وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، فريقاً متخصصاً لتقييم التكاليف الفعلية للأضرار التي لحقت بالحلفاء الإقليميين جراء الهجمات الإيرانية، مع بحث إمكانية تخصيص جزء من هذه الأصول لتغطية أي أضرار قد تحدث في المستقبل.
من جهته، صرّح محسن رضائي، المستشار العسكري للمرشد الأعلى الإيراني، في مقابلة مع شبكة “سي إن إن” الأمريكية، بأن المفاوضات وصلت حالياً إلى طريق مسدود. ووجّه رضائي دعوة مباشرة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للإفراج عن 24 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة كبادرة حسن نية رئيسية إذا كانت واشنطن ترغب فعلياً في التوصل إلى اتفاق سلام دائم ينهي هذه الأزمة المعقدة.
التصعيد الميداني وإغلاق الممرات البحرية الحيوية
ميدانياً، لا يزال الوضع العسكري ملتهباً؛ حيث أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) عن إسقاط طائرتين مسيرتين إيرانيتين في مضيق هرمز، مشيرة إلى أنهما كانتا تشكلان تهديداً مباشراً لحرية الملاحة الدولية. وتستمر القوات الأمريكية في فرض حصار بحري مشدد على الموانئ الإيرانية منذ أسابيع، في حين تواصل طهران إغلاق مضيق هرمز بالكامل، وهو الممر المائي الذي يمر عبره نحو خمس استهلاك النفط العالمي، مما يلقي بظلاله الثقيلة على أسواق الطاقة العالمية ويزيد من مخاوف حدوث أزمة تضخم دولية جديدة.
الجذور التاريخية والتأثيرات الإقليمية للصراع
يعود هذا الصراع المحتدم إلى الهجوم الشامل الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على الجمهورية الإسلامية في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، والذي تلاه إعلان وقف مؤقت لإطلاق النار في الثامن من أبريل لبدء مفاوضات بوساطة باكستانية. وتتجاوز أهمية هذا الحدث النطاق المحلي لتمس الأمن الإقليمي والدولي بشكل مباشر؛ حيث ترتبط الحرب بملفات معقدة للغاية، أبرزها مستقبل البرنامج النووي الإيراني، والعمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة في لبنان ضد “حزب الله” حليف طهران الوثيق. إن استمرار هذا الانسداد الدبلوماسي ينذر بتحول المواجهة إلى حرب استنزاف طويلة الأمد تؤثر على سلاسل الإمداد العالمية وتزيد من حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط.


