حذر خطيب المسجد الأقصى المبارك، الشيخ عكرمة صبري، من التداعيات الكارثية للتوجهات الإسرائيلية الأخيرة الرامية إلى منع الأذان في الأقصى والمساجد المحيطة به في القدس الشرقية والبلدات العربية. وأكد صبري أن مشروع القانون المقترح يمثل اعتداءً صارخاً على حرية العبادة وتصعيداً خطيراً يهدد الوضع التاريخي والقانوني القائم (الستاتيكو) في المدينة المقدسة، مشيراً إلى أن سلطات الاحتلال تسعى جاهدة لفرض واقع تهويدي جديد يطمس الهوية الإسلامية للمدينة.
أبعاد المخطط الإسرائيلي لفرض منع الأذان في الأقصى والمساجد
يأتي هذا التحذير عقب مصادقة لجنة وزارية تابعة للكنيست الإسرائيلي على مشروع قانون تقدم به حزب “القوة اليهودية” اليميني المتطرف، بزعامة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير. ويهدف هذا المشروع إلى فرض قيود صارمة على رفع الأذان عبر مكبرات الصوت في القدس الشرقية والبلدات العربية داخل الخط الأخضر، تحت ذرائع واهية تتعلق بـ “تنظيم الضوضاء”.
وقد أثار بن غفير موجة غضب واسعة بعد نشره مقطع فيديو يظهر فيه مسترخياً، قبل أن يستيقظ ليوجه رسالة يتعهد فيها بوقف ما وصفه بـ “ضوضاء المساجد” و”الإزعاج” الصادر عنها. وينص مشروع القانون المقترح على منع تركيب أو تشغيل أي نظام صوتي في المساجد دون الحصول على ترخيص مسبق من السلطات الإسرائيلية، التي ستحدد معايير مشددة تشمل خفض مستوى الصوت ومدى قرب المسجد من المناطق السكنية.
ولم يقتصر المشروع على القيود الإدارية، بل فرض عقوبات مالية باهظة لردع القائمين على المساجد؛ حيث ينص على فرض غرامة تصل إلى 50 ألف شيكل (نحو 17,719 دولاراً أمريكياً) في حال تشغيل مكبرات الصوت دون ترخيص، وغرامة بقيمة 10 آلاف شيكل (حوالي 3,545 دولاراً أمريكياً) في حال مخالفة شروط الترخيص المفروضة.
السياق التاريخي لمحاولات إسكات المآذن في القدس
إن المحاولات الإسرائيلية لتقييد الأذان ليست وليدة اللحظة، بل تمتد لسنوات طويلة من السعي المستمر لتغيير الطابع الديني والثقافي للمدينة المقدسة. فمنذ عام 2016، تكرر طرح ما يُعرف بـ “قانون المؤذن” في الكنيست الإسرائيلي بدعم من أحزاب اليمين المتطرف، إلا أن تلك المحاولات كانت تبوء بالفشل دائماً نتيجة الرفض الشعبي الفلسطيني العارم والضغوط القانونية والدبلوماسية.
ويعتبر الفلسطينيون والجهات الإسلامية المشرفة على المقدسات أن الأذان ليس مجرد شعيرة دينية فحسب، بل هو جزء لا يتجزأ من الهوية التاريخية والحضارية لمدينة القدس منذ الفتح الإسلامي. وبالتالي، فإن أي مساس به يُعد محاولة مباشرة لتهويد الفضاء العام وإلغاء الوجود العربي والإسلامي في المدينة.
التداعيات الإقليمية والدولية للتصعيد الإسرائيلي الجديد
تحمل هذه الخطوة المتطرفة تداعيات بالغة الخطورة على مختلف الأصعدة. محلياً، من شأن إقرار هذا القانون بشكل نهائي أن يفجر الأوضاع الأمنية في القدس والضفة الغربية، حيث يمثل الأذان خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه بالنسبة للفلسطينيين. وإقليمياً، يضع هذا التوجه العلاقات الدبلوماسية لإسرائيل مع الدول العربية والإسلامية على المحك، لا سيما مع المملكة الأردنية الهاشمية التي تتولى الوصاية الهاشمية التاريخية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
أما دولياً، فإن فرض قيود على الأذان يمثل انتهاكاً صارخاً للقوانين والمواثيق الدولية التي تكفل حرية العبادة وحماية الأماكن المقدسة في الأراضي المحتلة. ويحذر مراقبون من أن استمرار الحكومة الإسرائيلية الحالية، بدعم من وزرائها المتطرفين، في اتخاذ مثل هذه القرارات الاستفزازية قد يحول الصراع السياسي إلى صراع ديني شامل يصعب السيطرة على عواقبه في المنطقة بأسرها.


