في خطوة سياسية وأمنية بالغة الأهمية، فوض الإطار التنسيقي في العراق رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة، علي الزيدي، باتخاذ كافة القرارات والإجراءات اللازمة لحفظ المصالح العليا للبلاد. وجاء هذا التفويض مصحوباً بتأييد مطلق لمشروع حصر السلاح بيد الدولة، وفك ارتباط هيئة الحشد الشعبي عن كافة الأطر السياسية والحزبية والاجتماعية، مما يمثل تحولاً بارزاً في المشهد الأمني العراقي الساعي لإنهاء ظاهرة انفلات السلاح وتعزيز سيادة القانون.
أبعاد قرار حصر السلاح بيد الدولة وإنهاء الانفلات الأمني
عقد الإطار التنسيقي اجتماعاً رسمياً في مكتب رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، وبحضور رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي، حيث جرى بحث جملة من الملفات الوطنية والأمنية ذات الأولوية القصوى. وشدد المجتمعون في بيانهم الختامي على أن اختيار النظام السياسي وممثليه هو حق حصري للشعب العراقي الذي قدم تضحيات جسيمة دفاعاً عن ديمقراطيته واستقراره.
كما أكد البيان أن قرار الحرب والسلم هو قرار وطني سيادي يعود حصراً إلى مؤسسات الدولة الدستورية، المتمثلة بمجلس النواب والحكومة المنتخبة. وأوضح الإطار أن أي نشاط مسلح أو سياسي خارج هذا الإطار الدستوري يعتبر خروجاً صريحاً على القانون ومبادئ الدولة الدستورية، مما يستوجب تفعيل القوانين بصرامة لتحقيق الاستقرار الداخلي، وتأكيد سلطة القضاء والأجهزة الأمنية الرسمية في مواجهة أي تحديات تهدد السلم الأهلي.
الجذور التاريخية لانتشار السلاح وتحديات السيادة العراقية
لتفهم أبعاد هذا القرار التاريخي، يجب العودة إلى الجذور التاريخية لانتشار السلاح في العراق، والتي تعود بشكل أساسي إلى مرحلة ما بعد عام 2003. عقب الاجتياح وسقوط النظام السابق، عانت البلاد من فراغ أمني هائل أدى إلى نشوء فصائل وتشكيلات مسلحة متعددة لحماية المكونات والمناطق المختلفة في ظل غياب مؤسسات أمنية قوية وقادرة على ضبط الأمن بمفردها.
ومع حلول عام 2014 واجتياح تنظيم “داعش” الإرهابي لمساحات شاسعة من المدن العراقية، توسعت هذه الفصائل بشكل غير مسبوق تحت مظلة “الحشد الشعبي” استجابة لفتوى الجهاد الكفائي التي أطلقتها المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف. ورغم إقرار قانون هيئة الحشد الشعبي رقم 40 لسنة 2016 كقوة أمنية رسمية مرتبطة بالقائد العام للقوات المسلحة، إلا أن تداخل بعض الفصائل مع العمل السياسي والاجتماعي ظل يشكل تحدياً كبيراً أمام بناء دولة المؤسسات الدستورية الحديثة، مما جعل من الضروري إعادة تنظيم هذه القوات وفصلها تماماً عن أي نشاط حزبي.
التأثيرات المتوقعة لضبط السلاح على الصعيدين المحلي والدولي
تحمل هذه الخطوة دلالات وتأثيرات عميقة على عدة مستويات. محلياً، يسهم تطبيق مشروع حصر السلاح بيد الدولة في تعزيز ثقة المواطنين بالنظام القضائي والأمني، ويهيئ بيئة جاذبة للاستثمارات الخارجية لإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية المستدامة. وجاء هذا الموقف متناغماً مع إعلان زعيم التيار الوطني الشيعي، مقتدى الصدر، فك ارتباط “سرايا السلام” وإلحاقها بالدولة، وهي الخطوة التي رحبت بها حكومة الزيدي واعتبرتها دافعاً قوياً نحو الاستقرار الداخلي وإنهاء المظاهر المسلحة غير القانونية.
إقليمياً ودولياً، يبعث العراق برسائل طمأنة واضحة للمجتمع الدولي تؤكد جديته في فرض سيادته ومنع استخدام أراضيه منطلقاً لأي صراعات إقليمية أو تصفية حسابات دولية. كما يرتبط هذا التوجه برغبة بغداد في استكمال تنفيذ مسار إنهاء مهمة التحالف الدولي في العراق، والانتقال إلى علاقات ثنائية متكافئة مع دول العالم مبنية على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، مما يعزز من مكانة العراق كعنصر استقرار أساسي في منطقة الشرق الأوسط.


