شهدت المملكة العربية السعودية حدثاً بيئياً وتاريخياً فريداً من نوعه، حيث تم تسجيل ولادة أول مهر لحيوان الحمار البري الآسيوي في أراضي المملكة بعد غياب دام لأكثر من 100 عام. وتأتي هذه الولادة التاريخية داخل محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية، لتعلن رسمياً عودة هذا الكائن النادر الذي غاب عن صحارى الجزيرة العربية لأكثر من قرن، مما يمثل خطوة رائدة في مسيرة استعادة التوازن البيئي وحماية الحياة الفطرية في المنطقة.
تاريخ الحمار البري الآسيوي في الجزيرة العربية وأسباب الاختفاء
تاريخياً، كانت صحارى الجزيرة العربية موطناً طبيعياً للعديد من الحيوانات البرية النادرة، ومن بينها الحمار البري الآسيوي (أو ما يُعرف بالخر)، الذي جاب السهول والوديان لقرون طويلة. ومع ذلك، أدت التغيرات المناخية، والصيد الجائر غير المنظم، وتدهور الموائل الطبيعية خلال القرن الماضي إلى اختفاء هذا القطيع بالكامل من البرية السعودية. ويُعد هذا المشروع الطموح لإعادة التوطين بمثابة آلة زمنية تعيد كتابة التاريخ البيئي للمنطقة، مستندة إلى دراسات علمية دقيقة تضمن توفير البيئة الملائمة لتكاثر هذه الكائنات وحمايتها من المخاطر التي واجهتها في الماضي.
تفاصيل الولادة التاريخية وتحديات البقاء في المحمية
وفقاً لما أعلنته إدارة محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية، فإن المهر الذكر قد ولد في يونيو 2025، وتم الإعلان عن ولادته بعد تجاوزه بنجاح الأشهر الاثني عشر الأولى من حياته، وهي المرحلة الأكثر حرجاً وصعوبة. وتشير الدراسات البيئية إلى أن معدل البقاء على قيد الحياة خلال العام الأول لا يتجاوز 50% بين أمهار الحمر البرية، مما يجعل تخطي المهر لهذه العقبة إنجازاً علمياً وبيئياً كبيراً. وتنتظر المحمية ولادة مهرين إضافيين خلال فصل الشتاء الحالي، مما يعزز الآمال بنمو هذا القطيع الذي يتكون حالياً من 5 إناث و3 ذكور، ويمثل المجموعة الوحيدة من هذا النوع في المملكة.
الأهمية البيئية والتأثير الإقليمي والدولي لإعادة التوطين
لا تقتصر أهمية هذا الحدث على الصعيد المحلي فحسب، بل تمتد لتشمل المستويين الإقليمي والدولي. فعلى المستوى الإقليمي، يمثل هذا النجاح ثمرة تعاون استراتيجي عابر للحدود، حيث تم نقل القطيع الأساسي (5 إناث وذكرين) من محمية الشومري للأحياء البرية في الأردن إلى السعودية، قاطعاً مسافة 935 كيلومتراً براً تحت إشراف الجمعية الملكية لحماية الطبيعة. أما على المستوى الدولي، فإن هذه الخطوة تساهم بشكل مباشر في إنقاذ فصيل مهدد بالانقراض بشدة؛ حيث تشير توقعات الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN) إلى احتمال انخفاض أعداد هذا الحيوان بنسبة 90% بحلول عام 2050، مع بقاء أقل من 600 رأس منه فقط في البرية حول العالم حالياً. إن نجاح السعودية في توطين هذا الكائن يضعها في مقدمة الدول الراعية للتنوع البيولوجي العالمي تماشياً مع مستهدفات رؤية المملكة 2030.


