تتصاعد وتيرة القلق في الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية إزاء بنود مذكرة التفاهم المتبلورة، حيث تقترب واشنطن وطهران من إبرام تسوية محتملة لإنهاء حالة الصراع. ويبرز الاتفاق الأمريكي الإيراني كأحد أهم الملفات التي تثير مخاوف تل أبيب، خاصة مع احتمالية امتداد مفاعيله ليشمل الساحة اللبنانية، في وقت لا تزال فيه القوات الإسرائيلية تواصل هجماتها المكثفة على مواقع حزب الله، الحليف الأبرز لإيران في المنطقة. وقد أكدت وسائل إعلام إيرانية أن مسودة هذا الاتفاق المرتقب تتضمن بنداً صريحاً يهدف إلى إنهاء الحرب الإسرائيلية على لبنان.
السياق التاريخي لمسار الاتفاق الأمريكي الإيراني
لفهم الجذور العميقة لهذا القلق، يجب النظر إلى الخلفية التاريخية للعلاقات بين واشنطن وطهران من جهة، وموقف تل أبيب منها من جهة أخرى. منذ توقيع خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي) في عام 2015، اعتبرت إسرائيل أن أي تقارب غربي مع طهران يمثل تهديداً وجودياً لها. ورغم انسحاب الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترمب من الاتفاق في عام 2018 بضغط إسرائيلي، إلا أن العودة الحالية لمسار التفاوض تثير هواجس قديمة متجددة. ترى إسرائيل أن أي اتفاق جديد قد يمنح طهران متنفساً اقتصادياً وسياسياً، مما يعزز من نفوذها الإقليمي ويدعم أذرعها المسلحة في الشرق الأوسط دون تقديم ضمانات كافية لتفكيك برنامجها النووي بشكل كامل.
تفاصيل المحادثات والمخاوف الإسرائيلية
وفي سياق التطورات الأخيرة، كشف مسؤول إسرائيلي أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أعرب بوضوح عن قلقه العميق من بنود التهدئة خلال اتصال هاتفي أجراه مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب. وأوضح المسؤول أن نتنياهو عرض موقفه باحترام ودون السعي لمواجهة مفتوحة، وهو ما أكده ترمب لاحقاً بوصفه للاتصال بأنه “سار بشكل جيد للغاية”. من جانبه، نقل موقع “أكسيوس” عن مسؤول أمريكي تطميناته بأن الاتفاق لن يكون بمثابة وقف إطلاق نار من جانب واحد، مشدداً على أنه في حال حاول حزب الله إعادة التسلح أو شن هجمات جديدة، فسيُسمح لإسرائيل بالتحرك العسكري لمنع ذلك، مضيفاً: “إذا التزم حزب الله، فستلتزم إسرائيل”. وأشار المسؤول إلى أن نتنياهو تحكمه حسابات سياسية داخلية معقدة، بينما يركز ترمب على المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة واستقرار الاقتصاد العالمي.
تهميش إسرائيل وتجاهل ملف الصواريخ الباليستية
على صعيد متصل، صرح مصدران أمنيان إسرائيليان لصحيفة “نيويورك تايمز” بأن إدارة ترمب همشت إسرائيل بشكل شبه كامل في مسار المفاوضات الأخيرة مع إيران. وأشارا إلى أن تل أبيب لم تكن طرفاً مشاركاً في المحادثات التي سبقت إعلان وقف إطلاق النار، بل تلقت التحديثات والتطورات عبر قنوات دبلوماسية واستخباراتية فقط. هذا الاستبعاد أثار مخاوف جدية من أن واشنطن لم تعد تصر على إدراج ملف الصواريخ الباليستية الإيرانية ضمن شروط التسوية. وفي ذات السياق، نقلت صحيفة “هآرتس” عن مصادر أمنية إسرائيلية رفيعة المستوى اعتقادها بأن القيادة الإيرانية تمارس تضليلاً متعمداً لفريق التفاوض الأمريكي، وسط خشية حقيقية من اندفاع ترمب نحو إبرام اتفاق مؤقت ومحدود مع طهران.
التأثير الإقليمي والدولي للتهدئة المحتملة
يحمل هذا الحدث أهمية استراتيجية بالغة وتأثيراً متوقعاً يمتد من النطاق المحلي إلى الإقليمي والدولي. فعلى الصعيد الإقليمي، قد يؤدي نجاح المفاوضات إلى إعادة رسم خريطة التحالفات وتبريد جبهات القتال المشتعلة، مما ينعكس إيجاباً على أمن الملاحة في الخليج واستقرار أسواق الطاقة العالمية. أما إسرائيلياً، فيفضل العديد من المسؤولين العسكريين والسياسيين خيار العودة إلى القتال وتصعيد الضغط العسكري على إيران بدلاً من تثبيت وقف إطلاق النار، بهدف إجبار طهران على تقديم تنازلات جوهرية تضمن عدم قدرتها على تطوير سلاح نووي في المدى القريب. وتتجسد الخشية الإسرائيلية الكبرى في أن التوصل إلى اتفاق مرحلي لوقف إطلاق النار سيجعل من الصعب على واشنطن لاحقاً فرض شروط قاسية لتخفيض أو تسليم مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، مما يجعل استئناف العمليات العسكرية خياراً بالغ التعقيد في ظل اتفاق غير مكتمل الأركان.


