كشفت تقارير إخبارية حديثة عن تفاصيل مثيرة للقلق بشأن محاولات حثيثة جرت داخل أروقة البيت الأبيض للتأثير على سير العملية الديمقراطية، حيث قاد مسؤول بارز في إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب جهوداً مكثفة خلال العام الماضي لمحاولة حظر أنظمة التصويت الإلكترونية المستخدمة في أكثر من نصف الولايات الأمريكية. وتأتي هذه التحركات، التي استندت إلى مزاعم بوجود تهديدات للأمن القومي، لتسلط الضوء على مخاوف حقيقية من اندلاع فوضى انتخابية قد تعصف باستقرار المؤسسات الديمقراطية.
السياق التاريخي للتشكيك في نزاهة الانتخابات الأمريكية
تعود جذور هذه الأزمة إلى التداعيات التي أعقبت الانتخابات الرئاسية لعام 2020، والتي شهدت هزيمة دونالد ترمب أمام منافسه جو بايدن. منذ ذلك الحين، تبنت حملة ترمب وعدد من حلفائه استراتيجية تعتمد على التشكيك المنهجي في نزاهة العملية الانتخابية. تاريخياً، تُدار الانتخابات في الولايات المتحدة على مستوى الولايات والمقاطعات المحلية، وهو نظام لامركزي صُمم خصيصاً لمنع أي سيطرة فيدرالية مطلقة قد تؤدي إلى الاستبداد. ومع ذلك، فإن التحركات الأخيرة مثلت تحولاً غير مسبوق، حيث سعت شخصيات نافذة إلى استخدام السلطة الفيدرالية للتدخل المباشر في كيفية فرز الأصوات وإدارتها، مما شكل تحدياً مباشراً للدستور الأمريكي والأعراف السياسية الراسخة.
استهداف أنظمة التصويت: تفاصيل الخطة الفاشلة
وفقاً لما أفادت به وكالة رويترز نقلاً عن مصادر مطلعة، فإن كورت أولسن، المستشار في البيت الأبيض والمحامي الذي كلفه ترمب بالتحقيق في مزاعم التزوير، كان العقل المدبر وراء خطة استهداف أنظمة التصويت، وتحديداً تلك التابعة لشركة “دومينيون”. دفع أولسن باتجاه منح الحكومة الفيدرالية سيطرة أكبر على إدارة الانتخابات، داعياً إلى التخلي عن التكنولوجيا واعتماد نظام وطني يعتمد حصرياً على بطاقات الاقتراع الورقية والفرز اليدوي. ورغم تحذيرات خبراء الأمن السيبراني والانتخابات من أن الفرز اليدوي أبطأ، وأقل دقة، وأكثر عرضة للتلاعب البشري مقارنة بالأجهزة الإلكترونية المدعومة بسجلات ورقية قابلة للتدقيق، استمرت الضغوط. وقد وصلت الخطة إلى مرحلة متقدمة دفعت مسؤولي وزارة التجارة الأمريكية في سبتمبر الماضي لدراسة الأسس القانونية لتنفيذها، قبل أن تنهار بسبب العجز التام عن تقديم أي أدلة ملموسة تثبت وجود تهديد أمني حقيقي.
التداعيات والتأثيرات المتوقعة للتدخل الفيدرالي
لا تقتصر خطورة هذه التحركات على البعد المحلي المتمثل في سلب الولايات صلاحياتها الدستورية، بل تمتد لتشمل تأثيرات عميقة على ثقة الناخب الأمريكي في مؤسساته. محلياً، تؤدي هذه الحملات إلى ترهيب العاملين في لجان الانتخابات وزيادة الاستقطاب السياسي الحاد. أما على الصعيد الدولي والإقليمي، فإن محاولات تقويض العملية الانتخابية في الولايات المتحدة تضر بصورتها كنموذج عالمي للديمقراطية. إن إثارة الشكوك حول نزاهة الانتخابات الأمريكية تمنح الدول المنافسة والخصوم الاستراتيجيين فرصة ذهبية لاستغلال هذا الانقسام الداخلي، والترويج لسرديات تضعف من النفوذ الأمريكي والمصداقية الغربية في المحافل الدولية.
التحقيقات التقنية ودحض مزاعم الاختراق الأجنبي
في محاولة يائسة لإثبات نظريات المؤامرة، كشفت التحقيقات أن فريق أولسن قام بتفكيك أجهزة تصويت استخدمت في انتخابات حاكم بورتوريكو، بحثاً عن مكونات إلكترونية أو برمجيات مرتبطة بدول معادية مثل الصين، روسيا، أو فنزويلا. إلا أن الفحص التقني الدقيق أثبت زيف هذه الادعاءات؛ حيث تبين أن إحدى الشرائح الإلكترونية مغلفة في الصين بواسطة شركة “إنتل” الأمريكية المرموقة، بينما جاءت المكونات الأخرى من دول حليفة كاليابان وكوريا الجنوبية وماليزيا. ولم يُعثر على أي أكواد فنزويلية أو مؤشرات تهدد الأمن القومي.
الجدير بالذكر أن هذه المزاعم الكاذبة كلفت مروجيها ثمناً باهظاً، حيث اضطرت شبكة “فوكس نيوز” في عام 2023 لدفع تسوية مالية ضخمة بلغت نحو 787 مليون دولار لصالح شركة “دومينيون” في دعوى تشهير. ورغم كل هذه الحقائق الدامغة والقرارات القضائية المتتالية التي دحضت مزاعم التزوير، لا يزال ترمب يكرر هذه الادعاءات، مما يبقي شبح الفوضى الانتخابية مخيماً على المشهد السياسي الأمريكي.


