في تطور أمني بارز يعكس تصاعد الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب، أسفرت غارات أمريكية شمال نيجيريا عن توجيه ضربات قاصمة لمعاقل المتشددين، مما أدى إلى سقوط العشرات من العناصر الإرهابية. تأتي هذه التطورات الميدانية المتلاحقة بعد يوم واحد فقط من عملية أمنية وعسكرية مشتركة مع الدولة الواقعة في غرب أفريقيا، والتي تكللت بالنجاح في تحييد أحد أبرز القيادات العالمية في تنظيم «داعش» الإرهابي، وفقاً لما نقلته وكالة «بلومبيرغ» للأنباء.
تصعيد عسكري متجدد: غارات أمريكية شمال نيجيريا
أعلنت قيادة الدفاع النيجيرية في بيان رسمي أن هناك عدة غارات جوية نُفذت بدقة عالية، وأسفرت عن القضاء على أكثر من 20 مقاتلاً ينتمون إلى تنظيم «داعش – ولاية غرب أفريقيا» (ISWAP). وقد تزامنت هذه التصريحات مع إعلان القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) عن تفاصيل العملية عبر منشور رسمي على منصة «إكس». وتعكس هذه الهجمات الأخيرة تزايد الانخراط المباشر للولايات المتحدة في جهود مكافحة الإرهاب داخل الأراضي النيجيرية، التي تُعد أكبر دول القارة الأفريقية من حيث التعداد السكاني، مما يبرز الأهمية الاستراتيجية الكبرى لاستقرار هذا البلد.
السياق التاريخي لتمدد الجماعات المتطرفة في غرب أفريقيا
لفهم جذور هذا الصراع، يجب النظر إلى التحديات الأمنية المعقدة التي واجهتها نيجيريا على مدار العقدين الماضيين. تضم نيجيريا حوالي 230 مليون نسمة، ينقسمون تقريباً بالتساوي بين المسلمين والمسيحيين. وقد شهدت البلاد تاريخاً من أعمال العنف العرقية والدينية التي ترتبط غالباً بالتنافس الشديد على الموارد الاقتصادية والطبيعية. وتُعزى أعمال التمرد بدرجة كبيرة إلى جماعات متشددة، أبرزها جماعة «بوكو حرام» التي بدأت تمردها المسلح منذ عام 2009. وفي وقت لاحق، انشقت فصائل عن هذه الجماعة لتبايع تنظيم داعش، وتؤسس ما يُعرف بـ «ولاية غرب أفريقيا»، والتي تمركزت بشكل رئيسي في شمال البلاد ومنطقة حوض بحيرة تشاد، مستغلة التضاريس الصعبة والحدود المليئة بالثغرات.
مقتل «أبو بلال المنوكي» والتعاون الأمني المشترك
شكلت العملية المشتركة التي أطلقتها القوات الأمريكية والنيجيرية نقطة تحول هامة، حيث أدت إلى اغتيال «أبو بلال المنوكي»، الذي يُوصف في الأوساط الاستخباراتية بأنه الرجل الثاني في تنظيم «داعش» على مستوى العالم. وفي هذا السياق، أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في منشور على منصة «تروث سوشيال» أن المنوكي كان «أكثر الإرهابيين نشاطاً في العالم»، مشيراً إلى أن إدارته تتهم مقاتلي التنظيم باستهداف المسيحيين بشكل ممنهج.
وقد جاءت هذه التطورات تتويجاً لتعاون متنامٍ؛ ففي أواخر العام الماضي، نفذت الولايات المتحدة ضربات دقيقة ضد أهداف للتنظيم بالتعاون الوثيق مع حكومة الرئيس النيجيري بولا تينوبو. ولم يقتصر الدعم على الغارات الجوية، بل أرسلت واشنطن لاحقاً مدربين عسكريين متخصصين إلى نيجيريا لرفع كفاءة القوات المحلية في ظل تصاعد أعمال العنف.
التأثيرات المتوقعة للعمليات على الأمن الإقليمي والدولي
تحمل هذه العمليات العسكرية أبعاداً تتجاوز الحدود النيجيرية. على الصعيد المحلي، تساهم هذه الضربات في إضعاف القدرات اللوجستية والعملياتية لتنظيم داعش، مما يمنح القوات النيجيرية فرصة لاستعادة السيطرة على المناطق المضطربة وتأمين المدنيين. أما على الصعيد الإقليمي، فإن تحجيم قوة التنظيم في شمال نيجيريا يقلل من خطر تمدد الإرهاب إلى الدول المجاورة في منطقة الساحل الأفريقي، مثل النيجر وتشاد والكاميرون، وهي دول تعاني بالفعل من هشاشة أمنية. ودولياً، تؤكد هذه الغارات التزام الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بمنع تحول القارة الأفريقية إلى ملاذ آمن جديد لقيادات الصف الأول من التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود، مما يعزز من منظومة الأمن والسلم العالميين.


