تصاعد التوترات وبدء إجراءات عزل نائبة الرئيس الفلبيني
في خطوة تعكس عمق الانقسامات داخل أروقة السلطة، يعقد مجلس الشيوخ الفلبيني، اليوم الإثنين، جلسة استماع تمهيدية حاسمة تمهيداً لمناقشة عزل نائبة الرئيس الفلبيني سارة دوتيرتي. وخلال هذه الجلسة التاريخية، سيقرر أعضاء المجلس البالغ عددهم 24 عضواً ما إذا كانت دوتيرتي مذنبة بالتهم الخطيرة الموجهة إليها، والتي تشمل إساءة استخدام الأموال العامة وتكوين ثروة غير مبررة. وتأتي هذه التطورات، وفقاً لإفادة شبكة «بلومبيرغ»، وسط مخاوف متزايدة من انزلاق البلاد نحو اضطرابات سياسية واسعة النطاق قد تعصف بالاستقرار العام.
جذور الخلاف: تحالف سياسي يتحول إلى صراع مفتوح
لفهم المشهد الحالي، يجب النظر إلى السياق التاريخي القريب للسياسة الفلبينية. ففي انتخابات عام 2022، خاض الرئيس فرديناند ماركوس الابن وسارة دوتيرتي الانتخابات معاً تحت مظلة تحالف قوي عُرف باسم “فريق الوحدة”، وحققا فوزاً ساحقاً. إلا أن هذا التحالف سرعان ما تصدع وتحول إلى خصومة لدودة. وقد تجلى هذا الصراع بوضوح عندما صوّت مجلس النواب، الذي يهيمن عليه حلفاء الرئيس ماركوس، لصالح عزلها. جاء هذا التصويت بعد أسبوع مضطرب للغاية بدأ بمحاولات للسيطرة على مجلس الشيوخ وانتهى بليلة مرعبة شهدت إطلاق نار، مما يعكس حجم الاحتقان السياسي. وتُعد دوتيرتي المرشحة الأبرز لخلافة ماركوس عند انتهاء ولايته الوحيدة الممتدة لست سنوات في عام 2028، وهو ما يفسر مخاوف الرئيس من أن تقوم حليفته السابقة بتقويض إصلاحاته الاستراتيجية، بما في ذلك الاتفاقيات التجارية والأمنية الحساسة.
التداعيات الاقتصادية والجيوسياسية للأزمة الراهنة
لا تقتصر أهمية هذا الحدث على التوازنات السياسية الداخلية، بل تمتد لتشمل تأثيرات اقتصادية وإقليمية عميقة. محلياً، تُزعزع هذه الأزمة السياسية استقرار بلد يعاني بالفعل من اقتصاد ضعيف، وتحد من قدرة إدارة ماركوس على تنفيذ خطط التعافي. وتتزايد المخاوف من دخول الفلبين في حالة من الركود التضخمي، خاصة وأن الدولة الواقعة في جنوب شرق آسيا تضررت بشدة من أزمة الطاقة العالمية الناجمة عن التوترات في الشرق الأوسط. يضاف إلى ذلك فضائح الفساد واسعة النطاق والمستمرة التي أدت إلى استنزاف ثقة المستثمرين ورأس المال السياسي للإدارة الحالية. على الصعيد الإقليمي، تُعد الفلبين حليفاً استراتيجياً رئيسياً للولايات المتحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وأي عدم استقرار داخلي قد يؤثر على موقف مانيلا الحازم في النزاعات البحرية في بحر الصين الجنوبي، مما يثير قلق المجتمع الدولي.
موازين القوى داخل مجلس الشيوخ ومسار المحاكمة
تُعد سارة دوتيرتي الشخصية السياسية الفلبينية الوحيدة التي وُجهت إليها تهمة العزل مرتين، حيث أُلغيت محاولة عزلها الأولى العام الماضي بعد أن رفضت المحكمة العليا القضية لأسباب إجرائية. وفيما يُتوقع تبرئتها هذه المرة من قبل المجلس الأعلى نظراً لضرورة الحصول على أغلبية الثلثين لإدانتها، فإنها تتمتع الآن بوضع أقوى؛ فقد عيّن حلفاؤها أحد مؤيديها زعيماً لمجلس الشيوخ، مما منح معسكرها سلطة حاسمة في تحديد موعد بدء المحاكمة ونوع الأدلة التي ستُكشف. وفي هذا السياق، أفادت قيادة مجلس الشيوخ الجديدة بأن وقت المجلس سيُقسم بين إجراءات العزل والأعمال التشريعية الاعتيادية. وقد صرح رئيس مجلس الشيوخ، آلان بيتر كايتانو، في إحاطة صحفية الأسبوع الماضي قائلاً: «إن أكبر تحدٍ يواجهني هو تحقيق التوازن بين العمل التشريعي والأزمة الراهنة. فلو كان الاقتصاد في وضع جيد، لأمكننا تخصيص ما بين 90% و95% من وقتنا لمحكمة المساءلة»، مما يؤكد على ثقل الأزمة الاقتصادية التي تلقي بظلالها على المشهد السياسي.


