أثارت مجريات محاكمة عاطف نجيب، العميد السابق في النظام السوري وابن خالة بشار الأسد، موجة عارمة من السخرية والانتقادات اللاذعة بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي من السوريين. جاء ذلك بعد ظهوره أمام محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، حيث أدلى بتصريحات تنفي علاقته بأحد أبرز الأحداث المفصلية في تاريخ سوريا الحديث، وهو توقيف وتعذيب أطفال محافظة درعا في جنوب البلاد، وهي الحادثة التي تُعرف بأنها الشرارة الأولى التي أشعلت الثورة السورية عام 2011.
تفاصيل محاكمة عاطف نجيب وإنكار التهم الموجهة إليه
بحسب مقطع فيديو نشرته وزارة العدل السورية مؤخراً، زعم نجيب خلال الجلسة العلنية الثانية من محاكمته أنه لم يكن له أي دور في اعتقال الأطفال، ملقياً باللائمة على خلافات سابقة بينه وبين رئيس فرع الأمن العسكري آنذاك. وادعى أنه علم بحادثة الاعتقال من خلال وسائل الإعلام فقط. يواجه نجيب تهماً ثقيلة تشمل ارتكاب جرائم قتل، وتعذيب، واعتقال تعسفي، والتي وصفت بأنها «ترقى إلى جرائم حرب». وعندما واجهه القاضي بشهادة أحد الشهود الذي أكد أن نجيب قام باستجوابه شخصياً في عام 2011، نفى أي صلة له بذلك، مدعياً أن القاصر المذكور كان متهماً بحرق مركز مراقبة عسكري.
السياق التاريخي لشرارة الثورة السورية في درعا
لفهم حجم الاستياء الشعبي من هذه التصريحات، يجب العودة إلى السياق التاريخي للأحداث. في منتصف مارس من عام 2011، أقدمت الأجهزة الأمنية في مدينة درعا، والتي كان نجيب يرأس فرع الأمن السياسي فيها، على اعتقال مجموعة من الأطفال والفتية بعد كتابتهم شعارات مناهضة لنظام الأسد على جدران مدرستهم، متأثرين بموجة الربيع العربي. تعرض هؤلاء الأطفال لتعذيب وحشي، وعندما توجه وجهاء وأعيان عشائر درعا لمقابلة عاطف نجيب للمطالبة بالإفراج عن أبنائهم، قوبلوا بإهانات بالغة وتهديدات مست كرامتهم وأعراضهم. هذا التصرف المتعجرف والرد الأمني العنيف أدى إلى خروج أولى المظاهرات الحاشدة في 18 مارس 2011، لتكسر حاجز الخوف وتمتد لاحقاً إلى كافة المحافظات السورية.
تداعيات الحدث وتأثيره على المشهد السوري والدولي
تحمل هذه المحاكمة أهمية بالغة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محلياً، نكأت هذه التصريحات جراح السوريين، حيث اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي بالتعليقات الساخرة والغاضبة؛ فبينما تهكم البعض مقترحاً منحه «جائزة نوبل للسلام» لسلميته المزعومة، أكد آخرون، ومنهم ناجون، أن الضابط السابق أشرف بنفسه على استجواب وتعذيب العديد من أطفال درعا. إقليمياً ودولياً، تسلط هذه المحاكمة الضوء مجدداً على ملف المساءلة والعدالة الانتقالية في سوريا. ورغم أن المحاكمة تجري داخل أروقة محاكم النظام السوري نفسه، إلا أن توثيق هذه الإنكارات يتزامن مع جهود حقوقية دولية مستمرة لمحاكمة مجرمي الحرب في سوريا أمام محاكم أوروبية ودولية بموجب الولاية القضائية العالمية. إن محاولة طمس الحقائق التاريخية المتعلقة ببدايات الحراك السلمي تؤكد على أهمية الذاكرة الجمعية السورية في توثيق الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وضمان عدم إفلات المتورطين من العقاب الحقيقي في المستقبل.


