في ظل تطورات متسارعة تشهدها منطقة الشرق الأوسط، تتجه الأنظار نحو احتمالات التصعيد العسكري ضد إيران، خاصة مع تزايد المؤشرات التي تدل على استعدادات مكثفة تقودها إسرائيل بالتنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية. وقد أثارت التصريحات والتلميحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترمب قلقاً واسعاً حيال مستقبل الاستقرار في المنطقة، مما يفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة تتراوح بين تشديد العقوبات والمواجهة العسكرية المباشرة.
رسائل ترمب الغامضة: الهدوء الذي يسبق العاصفة
وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تحذيراً جديداً ومبطناً إلى طهران، حيث نشر فجر يوم الأحد صورة مثيرة للجدل على منصته “تروث سوشيال”. أرفق ترمب الصورة بعبارة “الهدوء الذي يسبق العاصفة”. وأظهرت الصورة، التي تم توليدها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، ترمب وهو يرتدي قبعة تحمل شعار حملته الشهير “MAGA” (لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً)، بينما يظهر في الخلفية ضابط في البحرية الأمريكية وسفن حربية إيرانية. ورغم أن ترمب لم يوضح صراحة المغزى الدقيق من هذا المنشور، إلا أن توقيته يتزامن مع تصاعد حاد في التوترات والتلويح الأمريكي المستمر باللجوء إلى الخيارات العسكرية.
السياق التاريخي لتعقيدات المشهد النووي
لفهم جذور هذه الأزمة، يجب النظر إلى السياق التاريخي للعلاقات الأمريكية الإيرانية، وتحديداً منذ انسحاب الولايات المتحدة في عام 2018، إبان ولاية ترمب، من الاتفاق النووي الموقع عام 2015. منذ ذلك الحين، اعتمدت واشنطن سياسة “الضغوط القصوى” التي شملت عقوبات اقتصادية قاسية تهدف إلى شل الاقتصاد الإيراني وإجبار طهران على التفاوض على اتفاق جديد يشمل برنامجها الصاروخي ونفوذها الإقليمي. في المقابل، ردت طهران بتقليص التزاماتها النووية وزيادة نسب تخصيب اليورانيوم، مما جعل المنطقة تعيش في حالة من التوتر الدائم والترقب لأي شرارة قد تشعل صراعاً واسعاً.
التنسيق المشترك واحتمالات التصعيد العسكري ضد إيران
أكدت مصادر إسرائيلية مطلعة وجود استعدادات مكثفة تجري على قدم وساق بالتنسيق مع واشنطن لاستئناف العمليات العسكرية. ووفقاً لما نقلته صحيفة “يديعوت أحرونوت”، تشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن احتمالية إقدام ترمب على استئناف القتال تصل إلى 50%. وفي هذا السياق، تُجرى محادثات تنسيقية على أعلى المستويات بين الجيش الإسرائيلي وجهاز الموساد، حيث تم رفع حالة التأهب إلى درجاتها القصوى.
وتشير التقديرات إلى أن أي تحرك أمريكي قد يقتصر في البداية على ضربات جوية محدودة تستهدف بنى تحتية حيوية مثل محطات الكهرباء والجسور. ومع ذلك، لم تستبعد المصادر لجوء واشنطن إلى عمليات برية نوعية، رغم التردد والمخاوف من التورط في حرب طويلة. وتشمل السيناريوهات البرية المحتملة: تنفيذ عملية دقيقة لاستخراج اليورانيوم المخصب المدفون في منشآت تحت الأرض، أو السيطرة الاستراتيجية على جزيرة خارك النفطية، أو إطلاق عملية عسكرية لتأمين حركة الملاحة وتوجيه السفن العالقة في مضيق هرمز. والمؤكد حتى الآن هو استمرار، وربما تشديد، الحصار البحري على الموانئ الإيرانية لزيادة الخنق الاقتصادي.
التداعيات الإقليمية والدولية لأي مواجهة محتملة
لا شك أن أي عمل عسكري في هذه المنطقة الحساسة سيحمل تداعيات هائلة على المستويين الإقليمي والدولي. فمضيق هرمز يمر عبره جزء كبير من إمدادات النفط العالمية، وأي تعطيل للملاحة فيه سيؤدي إلى صدمة في أسواق الطاقة العالمية. إقليمياً، تسعى إيران، بحسب المصادر، إلى المماطلة وإطالة أمد الأزمة لتأجيل أي مواجهة عسكرية إلى ما بعد انطلاق بطولة كأس العالم في 11 يونيو، وذلك كنوع من الضغط التكتيكي على الإدارة الأمريكية.
وفي ظل وصول المفاوضات إلى طريق مسدود، عقد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سلسلة من المشاورات الأمنية المغلقة. واللافت أنه امتنع عن دعوة المجلس الوزاري الموسع للانعقاد، مكتفياً باجتماع واحد للمجلس المصغر، في خطوة وصفتها الصحف الإسرائيلية بأنها محاولة لـ “خداع العدو”. من جهته، أبدى ترمب رفضاً قاطعاً للمقترحات الإيرانية الأخيرة، مشيراً إلى أنه سيرفضها “من السطر الأول”. وتتمسك طهران بشروطها التي تشمل رفع الحصار البحري، تحرير الأموال المجمدة، إرساء نظام جديد لإدارة مضيق هرمز، والاحتفاظ بحقها في تخصيب اليورانيوم، مما يجعل فرص الحل الدبلوماسي تتضاءل يوماً بعد يوم.


