تشهد الساحة الدولية تطورات متسارعة مع تصاعد أزمة مضيق هرمز، حيث لا تزال المفاوضات الأمريكية الإيرانية تراوح مكانها وسط حالة من الجمود السياسي الملحوظ. وفي ظل تمسك طهران بورقة السيطرة الاستراتيجية على المضيق الحيوي، وإصرار واشنطن على استمرار الضغوط والحصار البحري، تبرز تحركات دبلوماسية جديدة لمحاولة نزع فتيل التوتر.
أبعاد وتاريخ أزمة مضيق هرمز في الصراع الأمريكي الإيراني
يُعد مضيق هرمز واحداً من أهم الممرات المائية في العالم، حيث يمر عبره نحو خُمس استهلاك العالم من النفط. تاريخياً، لطالما استخدمت إيران التهديد بإغلاق المضيق كورقة ضغط سياسي واقتصادي في مواجهة العقوبات الغربية والتوترات مع الولايات المتحدة. تعود جذور هذه التوترات إلى عقود مضت، وتحديداً منذ حرب الناقلات في الثمانينيات، وصولاً إلى الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي، مما أعاد المضيق إلى واجهة الأحداث كمسرح رئيسي لاستعراض القوة.
ومنذ أواخر فبراير الماضي، شددت إيران قبضتها على المضيق بشكل ملحوظ. وفرض الحرس الثوري الإيراني قيوداً صارمة على حركة الملاحة البحرية، حيث لم يُسمح إلا لعدد محدود من السفن بالمرور. وقد سُجلت عدة حوادث شملت إطلاق نار على سفن أو توجيه إنذارات مباشرة لها، مما أدى إلى انخفاض حاد في حركة الملاحة، وباتت حركة الشحن مقيدة بشدة، وغالباً ما تقتصر على السفن المرتبطة بإيران أو حلفائها.
وساطة باكستانية لكسر الجمود الدبلوماسي
في محاولة لاختراق هذا الجدار المسدود، كشفت مصادر مطلعة ووكالة الأنباء الإيرانية الرسمية «إرنا» عن وصول وزير الداخلية الباكستاني، محسن نقوي، إلى طهران في زيارة غير معلنة مسبقاً لإجراء لقاءات عاجلة مع كبار المسؤولين الإيرانيين. وتأتي هذه الخطوة استكمالاً لجهود وساطة باكستانية مستمرة بين الولايات المتحدة وإيران، حيث سبق لنقوي أن زار طهران برفقة قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في منتصف أبريل الماضي لمدة ثلاثة أيام. وأكدت مصادر دبلوماسية في إسلام آباد أن هذه التحركات تهدف إلى إيجاد أرضية مشتركة تخفف من حدة التوتر الإقليمي.
آلية إيرانية جديدة لتنظيم الملاحة
وفي تصعيد جديد يعكس إصرار طهران على موقفها، أعلن إبراهيم عزيزي، رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، عن إعداد آلية جديدة لتنظيم حركة الملاحة عبر مضيق هرمز. وأوضح عزيزي عبر حسابه على منصة التواصل الاجتماعي أن هذه الخطوة تأتي في إطار السيادة الوطنية وضمانات أمن التجارة الدولية. وزعم أن الآلية الاحترافية التي سيتم الكشف عنها قريباً، ستحدد مسارات معينة ولن يُسمح باستخدامها إلا للسفن التجارية والجهات المتعاونة مع إيران، مع فرض رسوم مالية مقابل الخدمات المتخصصة المقدمة لتلك السفن.
التداعيات الإقليمية والدولية والموقف الأمريكي
يحمل هذا التصعيد تداعيات بالغة الأهمية على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. فعلى الصعيد الدولي، يهدد تقييد الملاحة في المضيق برفع أسعار الطاقة العالمية وزيادة تكاليف الشحن والتأمين، مما يلقي بظلاله على الاقتصاد العالمي المنهك. إقليمياً، يزيد هذا الوضع من حالة الاستقطاب والمخاوف الأمنية لدى الدول المشاطئة للخليج العربي، مما يستدعي استنفاراً دبلوماسياً وعسكرياً مستمراً.
وفي هذا السياق، أشارت تقارير لصحيفة «نيويورك تايمز» إلى وجود مساعٍ من عدة دول للتوصل إلى تسوية تدفع إيران لإعادة فتح مضيق هرمز بالكامل. هذه التسوية قد تمنح الإدارة الأمريكية فرصة لإعلان نصر سياسي وإقناع الناخبين المتشككين بجدوى سياساتها. ومع ذلك، تبقى العقبات قائمة؛ فقد نقلت تقارير سابقة عن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، خلال تصريحات للصحفيين على متن الطائرة الرئاسية، رفضه لعرض سلام إيراني وصفه بأنه غير مقبول، مما يؤكد عمق الهوة وانعدام الثقة بين الطرفين، ويجعل من الوساطة الباكستانية الحالية اختباراً حقيقياً لقدرة الدبلوماسية على تجنيب المنطقة صراعاً مفتوحاً.


