في خطوة حاسمة نحو إنهاء حالة الترقب السياسي، وافق مجلس النواب العراقي، عصر اليوم الخميس، على منح الثقة لتشكيلة حكومة علي فالح الزيدي ومنهاجها الوزاري. وقد شهدت الجلسة البرلمانية، التي عُقدت بحضور مكثف بلغ 270 نائباً، تصويتاً حاسماً أفضى إلى تمرير 14 وزيراً ضمن التشكيلة الجديدة، مما يمثل انطلاقة فعلية للسلطة التنفيذية لممارسة مهامها الدستورية في مرحلة حساسة من تاريخ البلاد.
تفاصيل التصويت على التشكيلة الوزارية في حكومة علي فالح الزيدي
خلال مجريات الجلسة، حسم البرلمان العراقي قراره بالتصويت بالموافقة على مجموعة من الحقائب الوزارية الأساسية والسيادية. فقد تم منح الثقة لكل من باسم محمد خضير وزيراً للنفط، ومحمد نوري وزيراً للصناعة، وعلي سعد وهيب وزيراً للكهرباء، وعبد الكريم عبطان وزيراً للتربية، ومصطفى نزار جمعة وزيراً للتجارة. كما شمل التصويت الإيجابي عبد الحسين عزيز لوزارة الصحة، وسروة عبد الواحد لوزارة البيئة، ومثنى علي مهدي لوزارة الموارد المائية، وعبد الرحيم جاسم لوزارة الزراعة، وخالد شواني لوزارة العدل.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل امتد التصويت ليشمل حقائب أخرى ذات أهمية بالغة، حيث نال وهب سلمان محمد الثقة كوزير للنقل، وفالح الساري وزيراً للمالية، ومصطفى سند وزيراً للاتصالات، وفؤاد حسين وزيراً للخارجية. وفي المقابل، أخفق البرلمان في تمرير مرشحي وزارات التعليم العالي، والداخلية، والتخطيط، والعمل، وذلك إثر بروز اعتراضات نيابية على الأسماء المطروحة. ونقلت مصادر نيابية أن حسم هذه الوزارات المؤجلة، إلى جانب مناصب نواب رئيس الجمهورية، سيتم إرجاؤه إلى ما بعد عطلة عيد الأضحى المبارك. وعقب التصويت، أدى رئيس الوزراء والوزراء الجدد اليمين الدستورية قبل رفع الجلسة، وفقاً لبيان المكتب الإعلامي الذي أوردته وكالة شفق نيوز.
مسار تشكيل الحكومات في المشهد السياسي العراقي
تأتي هذه التطورات في سياق سياسي عراقي يتسم دائماً بالتعقيد والديناميكية. فمنذ عام 2003، ارتبط تشكيل الحكومات في العراق بضرورة تحقيق توافقات واسعة بين مختلف الكتل السياسية الممثلة للمكونات المجتمعية المتعددة. هذا النظام التوافقي، الذي يُعرف محلياً بـ “المحاصصة”، يجعل من عملية اختيار الوزراء وتمريرهم داخل قبة البرلمان مخاضاً عسيراً يتطلب مفاوضات ماراثونية. إن تأجيل التصويت على بعض الحقائب الوزارية، كما حدث في هذه الجلسة مع وزارات حساسة كالداخلية والتخطيط، يُعد أمراً مألوفاً في العرف السياسي العراقي، حيث تعمد الكتل إلى كسب المزيد من الوقت لحل الخلافات وضمان تمثيل متوازن يرضي جميع الأطراف الفاعلة في المشهد.
التداعيات المرتقبة للاستقرار التنفيذي على المستويين المحلي والإقليمي
يحمل استكمال التشكيلة الحكومية ومنحها الثقة البرلمانية أهمية قصوى تتجاوز حدود قاعة البرلمان. على الصعيد المحلي، ينتظر الشارع العراقي من الحكومة الجديدة معالجة ملفات شائكة ومزمنة، في مقدمتها إقرار الموازنة الاتحادية، وتحسين الخدمات الأساسية كملف الكهرباء الذي طالما أرق المواطنين، فضلاً عن تنشيط القطاعين الصناعي والزراعي لتنويع مصادر الدخل بعيداً عن الاعتماد الكلي على النفط. إن وجود وزراء أصلاء في وزارات كالمالية والنفط يعطي دفعة قوية لتنفيذ إصلاحات اقتصادية ملحة.
أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن استقرار السلطة التنفيذية في بغداد يعزز من دور العراق كلاعب محوري يسعى لتقريب وجهات النظر بين دول الجوار. ومع تجديد الثقة في شخصيات متمرسة في حقيبة الخارجية، يُتوقع أن تواصل الدبلوماسية العراقية نهجها في بناء شراكات استراتيجية متوازنة، مما ينعكس إيجاباً على جذب الاستثمارات الأجنبية وتعزيز الأمن الإقليمي، وهو ما يجعل من نجاح هذه الحكومة مطلباً يتخطى الشأن الداخلي ليكون ضرورة لاستقرار المنطقة بأسرها.


