في خطوة دبلوماسية بارزة تعكس عمق العلاقات الثنائية، أعلن وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، اليوم الأربعاء، عن توقيع وثيقة شراكة إستراتيجية مع إسبانيا. جاء هذا الإعلان المهم خلال مؤتمر صحفي مشترك عقده مع نظيره الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، في العاصمة الإسبانية مدريد، مما يؤسس لمرحلة جديدة من التعاون المؤسسي بين البلدين الصديقين.
أبعاد توقيع وثيقة شراكة إستراتيجية مع إسبانيا
لم يأتِ توقيع وثيقة شراكة إستراتيجية مع إسبانيا من فراغ، بل هو تتويج لتاريخ طويل من العلاقات الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية الممتدة منذ عقود بين الرياض ومدريد. تاريخياً، اتسمت العلاقات السعودية الإسبانية بالتوافق والاحترام المتبادل، مدعومة بروابط وثيقة بين القيادتين في كلا البلدين. وتأتي هذه الخطوة اليوم لتأطير هذا التعاون ضمن مجلس للشراكة الإستراتيجية، والذي سيعمل كمظلة مؤسسية لتعزيز التنسيق في مختلف القطاعات الحيوية. إن هذه الشراكة تكتسب أهمية بالغة محلياً وإقليمياً، حيث تتقاطع مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 التي تسعى إلى تنويع الاقتصاد وتوسيع شبكة الشراكات الدولية للمملكة، مما ينعكس إيجاباً على نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعات المتقدمة.
أمن مضيق هرمز واستقرار الاقتصاد العالمي
على الصعيد الجيوسياسي والدولي، تطرق الجانبان إلى قضايا حساسة تمس الأمن العالمي. فقد شدد الأمير فيصل بن فرحان على الأهمية القصوى لعودة الملاحة البحرية في مضيق هرمز إلى وضعها الطبيعي كما كانت قبل 28 فبراير. وأكد سموه أن أمن مضيق هرمز وحرية الملاحة فيه ليسا مجرد شأن إقليمي، بل هما الركيزة الأساسية لاستقرار الاقتصاد العالمي بأسره، نظراً لكون المضيق أحد أهم الممرات المائية لتدفق إمدادات الطاقة عالمياً. وفي هذا السياق، جددت المملكة التزامها الراسخ بدعم المسار الدبلوماسي لحل الأزمات في المنطقة، مؤكدة استمرار جهودها الحثيثة للتهدئة وتجنب أي تصعيد عسكري قد يضر بمصالح شعوب المنطقة وحركة التجارة الدولية.
موقف إسباني داعم وتنسيق سياسي مشترك
من جانبه، أظهر الجانب الإسباني توافقاً تاماً مع الرؤية السعودية. فقد أدان وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، بشدة الهجمات غير المبررة التي استهدفت المملكة العربية السعودية في أوقات سابقة، مشدداً على ضرورة حماية حرية الملاحة في مضيق هرمز. وأوضح ألباريس أن السعودية تمثل الشريك التجاري الرئيسي والأهم لبلاده في منطقة الشرق الأوسط، مؤكداً التزام مدريد بمواصلة تعزيز التعاون الثنائي عبر مجلس الشراكة الإستراتيجية الذي تم تأسيسه، مما يعكس الأثر الإقليمي والدولي المتوقع لهذا التحالف في توحيد الرؤى تجاه قضايا الشرق الأوسط والتطورات العالمية.
طفرة في التبادل التجاري والتعاون الاقتصادي
اقتصادياً، تترجم لغة الأرقام متانة هذه العلاقات؛ حيث تشهد الروابط التجارية نمواً ملحوظاً مدفوعاً بتقاطع المصالح وتنامي التعاون في مجالات حيوية مثل الطاقة التقليدية والمتجددة، البنية التحتية، الدفاع، والسياحة. وقد بلغ حجم التبادل التجاري بين السعودية وإسبانيا نحو 22.9 مليار ريال سعودي حتى شهر مايو 2025. وقد أسفر هذا النشاط التجاري عن تحقيق فائض لصالح المملكة العربية السعودية يقدر بنحو 1.9 مليار ريال. وتفصيلاً، بلغت قيمة الصادرات السعودية، النفطية وغير النفطية، إلى إسبانيا حوالي 12.4 مليار ريال، في مقابل واردات إسبانية إلى المملكة بلغت قيمتها 10.5 مليار ريال. هذه الأرقام تعكس نجاح السياسات الاقتصادية المتبعة وتؤكد على أن المستقبل يحمل المزيد من الفرص الاستثمارية الواعدة بين البلدين.


