تعيش حكومة كير ستارمر في المملكة المتحدة واحدة من أشد أزماتها السياسية تعقيداً، حيث تتوالى الضربات الموجعة التي تهدد استقرارها. فبعد استقالة أربعة من وزراء الدولة، كشفت تقارير بريطانية موثوقة، وعلى رأسها صحيفة “التايمز”، أن وزير الصحة ويس ستريتينغ يستعد لتقديم استقالته رسمياً. ومن المرجح أن يغادر منصبه في وقت مبكر من يوم غدٍ الخميس، تمهيداً لخطوة سياسية كبرى تتمثل في الترشح لزعامة حزب العمال البريطاني، مما يضع مستقبل القيادة الحالية على المحك.
وقد عقد ستريتينغ اجتماعاً مقتضباً مع رئيس الوزراء قبيل خطاب الملك تشارلز الثالث، حيث نقلت مصادر مقربة منه أنه حسم أمره بالمضي قدماً في الترشح، وبدأت بالفعل المناقشات الداخلية لإعداد أوراق الترشيح اللازمة لخوض غمار المنافسة على زعامة الحزب.
تطورات متسارعة تضرب حكومة كير ستارمر وتداعيات الانتخابات
لفهم السياق العام الذي أوصل حكومة كير ستارمر إلى هذا المنعطف الخطير، يجب العودة إلى النتائج الكارثية التي مني بها حزب العمال في انتخابات المجالس المحلية التي جرت في السابع من مايو الماضي. لقد شكلت تلك الانتخابات زلزالاً سياسياً، حيث فقد الحزب السيطرة على البرلمان الويلزي لأول مرة في تاريخه، وتكبد خسارة فادحة بلغت نحو 1400 مقعد في مختلف الهيئات التشريعية والمحلية في إنجلترا مقارنة بوضعه السابق. ورغم إقرار ستارمر حينها بمسؤوليته الكاملة عن هذه الهزيمة المدوية، إلا أنه رفض بشدة الاستجابة لمطالب التنحي.
وما زاد الطين بلة، هو حالة الغضب الداخلي التي تفجرت عقب التقارير التي تحدثت عن نية تعيين السفير السابق في الولايات المتحدة، بيتر ماندلسون، رغم الجدل الواسع حول صلاته السابقة بالمدان في قضايا استغلال جنسي، جيفري إبستين. هذا القرار اعتبره الكثيرون داخل الحزب خطأً استراتيجياً فادحاً أدى إلى تصاعد الدعوات المطالبة برحيل ستارمر، حيث دعا أكثر من 80 نائباً عمالياً من أصل 403 نواب في البرلمان إلى استقالته الفورية أو وضع جدول زمني واضح لنقل السلطة بطريقة منظمة.
موقف القيادة وردود الفعل داخل أروقة السلطة
في مواجهة هذه الضغوط غير المسبوقة، حاول ستارمر التماسك، مؤكداً لوزرائه في “داونينغ ستريت” أن الشعب البريطاني يتوقع من الحكومة الاستمرار في تسيير شؤون البلاد وتوفير الاستقرار. وشدد في بيان حكومي على أن حزب العمال يمتلك آليات دستورية واضحة للتعامل مع أي تحدٍ للزعامة، مشيراً إلى أن هذه الآليات لم يتم تفعيلها رسمياً بعد. وتعهد بمواصلة القتال السياسي لإثبات خطأ المشككين في قدرته على القيادة.
ومع ذلك، تبدو العزلة السياسية لستارمر في تزايد. فقد كشفت مصادر مطلعة أن شخصيات بارزة في الحكومة، مثل نائب رئيس الوزراء ديفيد لامي ووزيرة الخارجية إيفيت كوبر، أجروا محادثات حاسمة معه بشأن موقفه المتأزم. كما برزت وزيرة الداخلية شبانة محمود كأرفع شخصية حكومية تنصحه صراحة بإعادة النظر في بقائه في منصبه، مما يعكس حجم الانقسام داخل الدائرة الضيقة لصنع القرار.
التأثير المتوقع على المشهد السياسي المحلي والدولي
لا تقتصر تداعيات انهيار الحكومة المحتمل على الداخل الحزبي، بل تمتد لتشمل المشهد السياسي البريطاني برمته. محلياً، يهدد هذا الانقسام بشلل حكومي قد يعيق تمرير التشريعات الحيوية، ويزيد من احتمالية الدعوة لانتخابات عامة مبكرة إذا فقدت الحكومة أغلبيتها أو ثقة البرلمان. كما أن تغيير القيادة في هذا التوقيت الحرج قد يربك خطط التعافي الاقتصادي التي ينتظرها الشارع البريطاني.
أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن حالة عدم اليقين السياسي في لندن تلقي بظلالها على مكانة المملكة المتحدة كحليف استراتيجي مستقر. التغييرات المتكررة في القيادة تضعف من موقف بريطانيا في المفاوضات الدولية، وتثير قلق الأسواق المالية العالمية التي تفضل الاستقرار المؤسسي. علاوة على ذلك، فإن الجدل المثار حول التعيينات الدبلوماسية الحساسة قد يؤثر على مسار العلاقات الثنائية مع الحلفاء الرئيسيين، مما يجعل من هذه الأزمة الداخلية شأناً ذا أبعاد جيوسياسية تتجاوز حدود الجزر البريطانية.


