استضافت العاصمة السعودية الرياض، على مدار يومين، فعاليات حوار رفيع المستوى يهدف إلى مناقشة سبل النهوض وتطوير قطاع الكهرباء في اليمن، وذلك بمشاركة واسعة من مسؤولين يمنيين، وشركاء إقليميين ودوليين، بالإضافة إلى نخبة من المستثمرين في قطاع الطاقة. يأتي هذا الحدث البارز بدعم ورعاية كريمة من البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، في خطوة استراتيجية تسعى إلى توسيع نطاق الشراكة القائمة مع القطاع الخاص، لتجاوز النقص الحاد في الطاقة الكهربائية، وفتح آفاق جديدة للاستثمار بما يحقق النمو والتطور المستدام في الخدمات الأساسية المقدمة للمواطنين اليمنيين.
جذور الأزمة: التحديات التاريخية التي تواجه قطاع الكهرباء في اليمن
ينعقد هذا الحوار الحيوي، الذي ينظمه البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن بالشراكة مع مجموعة البنك الدولي، في وقت حرج تعاني فيه المدن اليمنية، وفي مقدمتها العاصمة المؤقتة عدن، من تدهور مستمر وقاسٍ في خدمة الكهرباء. تاريخياً، تأثرت البنية التحتية للطاقة في اليمن بشدة جراء سنوات الصراع الطويلة التي أدت إلى تدمير أجزاء واسعة من الشبكات ومحطات التوليد. وإلى جانب تداعيات الحرب، يعاني القطاع من تقادم المحطات، والنقص المستمر في إمدادات الوقود، والارتفاع الكبير في تكاليف التوليد، فضلاً عن غياب الصيانة الدورية ومحدودية الاستثمارات الجديدة خلال العقد الماضي، مما جعل إصلاح هذا القطاع أولوية قصوى لضمان استقرار البلاد وتلبية احتياجات السكان.
الأبعاد الاستراتيجية وتأثير تحسين الطاقة على المستويين المحلي والإقليمي
إن الجهود المبذولة لإعادة تأهيل قطاع الطاقة لا تقتصر فوائدها على إضاءة المنازل فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً اقتصادية وأمنية عميقة. على المستوى المحلي، يمثل استقرار الكهرباء شرياناً أساسياً لعودة الحياة الطبيعية، وتشغيل المستشفيات، والمدارس، والمصانع، مما يساهم في تخفيف المعاناة الإنسانية وتوفير فرص العمل. أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن استقرار اليمن اقتصادياً وخدمياً ينعكس إيجاباً على أمن المنطقة ككل، ويقلل من موجات النزوح، ويخلق بيئة جاذبة للاستثمارات الخارجية التي تبحث عن أسواق ناشئة ومستقرة للعمل فيها، مما يعزز من اندماج الاقتصاد اليمني في المنظومة الإقليمية ويدعم جهود السلام الشامل.
رؤية الحكومة اليمنية لإصلاح منظومة الطاقة
خلال جلسات الحوار، استعرض وزير الكهرباء والطاقة اليمني، المهندس عدنان الكاف، أجندة الإصلاحات الشاملة التي تتبناها الحكومة لرفع القدرات التوليدية للمحطات وفقاً لمبادئ الحوكمة الرشيدة. وأكد على أهمية فتح المجال أمام مشاركة منظمة للقطاع الخاص عبر نماذج متعددة تتناسب مع الواقع اليمني المعقد. وأشار إلى مضي الحكومة قدماً في تنفيذ إصلاحات حقيقية تهدف إلى تحويل قطاع الكهرباء إلى ركيزة تنموية مستدامة، مشيداً بالدعم السعودي والدولي السخي المقدم لليمن في هذا المجال الحيوي.
التخطيط الاستراتيجي والانتقال نحو اقتصاد مستدام
من جانبها، أكدت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، الدكتورة أفراح الزوبة، أن الكهرباء تمثل أحد المحاور الرئيسية في خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية وإعادة الإعمار للفترة بين 2027 و2031. وأوضحت أن تحسين هذه الخدمات يعد مدخلاً أساسياً لتحقيق التعافي الاقتصادي وتوفير المقومات الأساسية لجذب الاستثمارات. وثمنت الدعم السعودي المتواصل، مشيرة إلى أن الحكومة تنظر إلى القطاع الخاص كشريك استراتيجي طويل الأمد. وفي السياق ذاته، شدد وزير الصناعة والتجارة، محمد الأشول، على أن تحسن الكهرباء سينعكس على مجمل الأوضاع الاقتصادية، وتحريك عجلة التنمية، وتعزيز تنافسية الصناعة المحلية. ولفت إلى أن التوجه الحكومي يقوم على الانتقال التدريجي من الاعتماد على المساعدات الإغاثية إلى اقتصاد حقيقي قائم على التجارة والاستثمار.
دور البرنامج السعودي في دعم استقرار الطاقة
تأكيداً على الالتزام المستمر، أوضح مساعد المشرف العام على البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، المهندس حسن العطاس، أن قطاع الطاقة يمثل شرياناً أساسياً لبقية القطاعات الحيوية. وأشار إلى أن مشاريع البرنامج السعودي في قطاع الطاقة قد استفاد منها أكثر من 13 مليون شخص في مختلف المحافظات اليمنية. كما ألقى الضوء على استمرار تقديم منح المشتقات النفطية منذ عام 2018، والتي لعبت دوراً حاسماً في دعم تشغيل محطات الكهرباء ومنع انهيار المنظومة بالكامل، مما يعكس حرص المملكة العربية السعودية على تحقيق استقرار شامل ومستدام في اليمن.


