تحت شعار «فرض السيادة»، أطلقت السلطات العراقية، اليوم الثلاثاء، عملية أمنية في النجف وكربلاء واسعة النطاق، تستهدف تمشيط المناطق الصحراوية الممتدة بين المحافظتين. تهدف هذه التحركات المكثفة إلى تأمين الطريق الاستراتيجي الرابط بين محافظة كربلاء ومنطقة النخيب، وتعزيز الانتشار الأمني والعسكري في المناطق الصحراوية القريبة من الحدود الإدارية والدولية. وتأتي هذه الخطوة الحاسمة في وقت تشهد فيه المنطقة توترات متصاعدة، مما يستدعي يقظة أمنية عالية لمنع أي خروقات محتملة.
السياق الإقليمي ودوافع إطلاق عملية أمنية في النجف وكربلاء
تاريخياً، تُعد الصحراء الغربية والجنوبية الغربية في العراق، والتي تشمل امتدادات محافظات الأنبار والنجف وكربلاء، واحدة من أكثر التضاريس الجغرافية تعقيداً. لطالما شكلت هذه المساحات الشاسعة والمفتوحة تحدياً أمنياً كبيراً للحكومات العراقية المتعاقبة، حيث استغلتها في فترات سابقة جماعات مسلحة وتنظيمات إرهابية كملاذات آمنة ونقاط انطلاق لتنفيذ هجمات، فضلاً عن استخدامها في عمليات التهريب. لذلك، فإن السيطرة على هذه البقاع تعد أولوية قصوى للأمن القومي العراقي.
في السياق الحالي، تزامنت هذه التحركات الميدانية مع تقارير إعلامية دولية أثارت جدلاً واسعاً. فقد نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين أمريكيين ومصادر مطلعة مزاعم تفيد بأن إسرائيل أنشأت موقعاً عسكرياً سرياً في الصحراء العراقية لدعم عملياتها ضد إيران. ورغم النفي العراقي القاطع، شكلت هذه التقارير دافعاً إضافياً لتسريع وتيرة الانتشار العسكري، لقطع دابر الشائعات وإثبات قدرة الدولة على بسط نفوذها الكامل على كل شبر من أراضيها.
الأبعاد الاستراتيجية وتأثيرات فرض السيادة
تحمل هذه العملية أبعاداً استراتيجية تتجاوز الحدود المحلية لتلامس الأمن الإقليمي والدولي. على الصعيد المحلي، يساهم تأمين طريق كربلاء – النخيب في حماية قوافل الحجاج والمعتمرين وحركة التجارة البرية، مما يعزز الاستقرار الداخلي ويبث الطمأنينة في نفوس المواطنين. كما أن عمليات المسح الأمني التي تصل إلى عمق 70 كيلومتراً داخل الصحراء تضمن تدمير أي مضافات أو مخابئ قد تستخدمها أي جهات خارجة عن القانون.
إقليمياً ودولياً، يرسل العراق رسالة واضحة وحازمة بأنه لن يسمح بأن تكون أراضيه ساحة لتصفية الحسابات أو منطلقاً للاعتداء على دول الجوار. هذا الموقف يعزز من مكانة العراق كدولة تسعى للعب دور محوري في التهدئة وتجنيب المنطقة ويلات الحروب الشاملة، خاصة في ظل التصعيد العسكري المستمر في الشرق الأوسط.
الموقف الرسمي العراقي والتعاون الأمني المشترك
لتأكيد جدية هذه الإجراءات، أفادت مصادر عراقية بأن العمليات تُنفذ بتوجيه مباشر من القائد العام للقوات المسلحة، وبإشراف ميداني من رئيس أركان الجيش الفريق أول الركن عبدالأمير يار الله. تشارك في هذه الحملة قطعات عسكرية وأمنية متخصصة عبر محاور متعددة لضمان تغطية شاملة للمنطقة المستهدفة. وقد ردت بغداد بحزم على الشائعات، مؤكدة أن القوات الأمنية اشتبكت مع قوى مجهولة في مارس الماضي، لكنها نفت بشدة حدوث أي إنزال جديد أو وجود قواعد أجنبية غير مصرح بها.
وفي هذا الصدد، جاءت تصريحات مستشار الأمن القومي العراقي، قاسم الأعرجي، لتتوج هذه الجهود. ففي أعقاب اجتماع اللجنة الأمنية العليا العراقية الإيرانية في بغداد، شدد الأعرجي على التزام العراق الكامل بمنع أي جهة من استغلال أراضيه للإضرار بأمن واستقرار الدول المجاورة. هذا الموقف الثابت يعكس حرص الدبلوماسية والقيادة الأمنية العراقية على ترسيخ الأمن الإقليمي، واحترام سيادة الدول، وتطبيق بنود الاتفاقيات الأمنية المشتركة بما يخدم مصلحة استقرار المنطقة بأسرها.


