يواجه المشهد السياسي الأمريكي اليوم تحديات غير مسبوقة، حيث تتصدر واجهة الأحداث أزمة أخلاقية في الكونغرس الأمريكي، تتمثل في أكبر موجة تدقيق ومحاسبة تتعلق بادعاءات سوء السلوك الجنسي. تعيد هذه التطورات إلى الأذهان تفجر حركة «#MeToo» التي هزت أروقة الكابيتول بين عامي 2017 و2018. وفي ظل تصاعد اتهامات جديدة ضد عدد من النواب، أُعيد فتح ملف ثقافة التحرش والعلاقات غير اللائقة داخل المؤسسة التشريعية الأمريكية، مما يضع مصداقية المشرعين على المحك.
الجذور التاريخية لبروز أزمة أخلاقية في الكونغرس
لفهم السياق العام والخلفية التاريخية لهذا الحدث، يجب العودة إلى قانون المساءلة في الكونغرس لعام 1995، والذي كان يهدف إلى إخضاع السلطة التشريعية لنفس قوانين العمل التي تفرضها على القطاع الخاص. ومع ذلك، ظلت الإجراءات معقدة وتميل إلى حماية الأعضاء على حساب الموظفين. وفي عام 2018، وتحت ضغط الحركات الحقوقية، أقر الكونغرس إصلاحات شاملة لتغيير كيفية التعامل مع شكاوى التحرش، بما في ذلك إلزام النواب بدفع تسويات التحرش من أموالهم الخاصة بدلاً من أموال دافعي الضرائب. ورغم هذه الإصلاحات، يرى أعضاء وموظفون، بحسب تقرير نشره موقع «أكسيوس»، أن الاتهامات الأخيرة كشفت استمرار ما وصفوه بـ«ثقافة السلوك السيئ» داخل الكابيتول، مما يؤكد أن التشريعات وحدها لم تكن كافية لاقتلاع جذور المشكلة.
استقالات واتهامات تضرب أروقة الكابيتول
صرح أحد النواب الجمهوريين في مجلس النواب بأن «الجميع يعلم بوجود أعضاء يقيمون علاقات مع موظفات يعملن لديهم، ومع ذلك لا يحدث شيء». وقد تصاعدت الأزمة مؤخراً بعد استقالة النائبين توني غونزاليس (جمهوري من تكساس) وإريك سوالويل (ديمقراطي من كاليفورنيا) الشهر الماضي على خلفية اتهامات بسوء السلوك الجنسي. يواجه سوالويل أيضاً اتهامات بالاعتداء الجنسي، وهي اتهامات نفاها بشدة. من جهته، اعترف غونزاليس بإقامة علاقة مع موظفة سابقة انتحرت لاحقاً. وقد فقدت لجنة الأخلاقيات في مجلس النواب صلاحيتها للتحقيق في القضيتين بعد استقالة النائبين، رغم اقترابهما من مواجهة تصويت محتمل على الطرد من المجلس.
ضغوط داخلية ومطالبات بالمحاسبة
وفي سياق متصل، كشف تقرير آخر أن النائب الجمهوري تشاك إدواردز خص موظفتين شابتين بمعاملة واهتمام وصفتها مصادر بأنها «غير لائقة»، مما زاد الضغوط على قيادات الحزب الجمهوري للتحرك. وقالت النائبة الجمهورية آنا باولينا لونا: «أي عضو في الكونغرس يقيم علاقة غير مناسبة مع موظفين يجب أن يرحل»، فيما طالب نائب جمهوري آخر باستقالة إدواردز أو طرده. ورد إدواردز على الاتهامات بوصفها بأنها «هراء» خلال مقابلة مع صحيفة محلية في ولاية كارولاينا الشمالية، لكنه لم ينفِ بشكل مباشر الوقائع التي أوردها التقرير.
التداعيات السياسية: تأثير الفضائح محلياً ودولياً
تكتسب هذه الأحداث أهمية كبرى وتأثيراً متوقعاً يتجاوز الحدود المحلية. على الصعيد المحلي، تؤدي هذه الفضائح إلى تآكل ثقة الناخب الأمريكي في مؤسساته الدستورية، مما قد ينعكس بشكل مباشر على نتائج الانتخابات القادمة، حيث يصبح السجل الأخلاقي للمرشحين معياراً حاسماً. أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن اهتزاز صورة الكونغرس يضعف من الموقف الأخلاقي للولايات المتحدة حين تطالب الدول الأخرى بالشفافية وحقوق الإنسان. تأتي هذه التطورات بالتزامن مع تصاعد الجدل داخل الكونغرس بشأن الإفراج عن ملفات الحكومة المتعلقة بالممول المدان بجرائم جنسية جيفري إبستين، بعدما نجحت مجموعة من النائبات الجمهوريات في دعم جهود النائب توماس ماسي لإجبار الإدارة على نشر الوثائق رغم معارضة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.
أموال دافعي الضرائب تحت المجهر
تقود مجموعة من النائبات الجمهوريات حملة علنية متزايدة للمطالبة بمحاسبة المتورطين في قضايا سوء السلوك، من أبرزهن نانسي ميس ولورين بوبرت، اللتان طالبتا باتخاذ إجراءات صارمة ضد أعضاء متهمين بمخالفات أخلاقية ومالية. كما قادت نانسي ميس تحركات لمعاقبة النائب الجمهوري كوري ميلز بسبب اتهامات تتعلق بمخالفات مالية وتمويل انتخابي وسوء سلوك جنسي، وهي الاتهامات التي ينفيها بالكامل. وكشفت ميس عن سجلات تُظهر دفع أكثر من 338 ألف دولار من أموال دافعي الضرائب على مدار 10 سنوات لتسوية قضايا سوء سلوك جنسي تورط فيها 8 أعضاء سابقين.
وفي الكواليس، تتزايد الانتقادات الموجهة إلى لجنة الأخلاقيات بمجلس النواب، وسط شكاوى من بطء التحقيقات التي قد تستغرق سنوات. وقال رئيس اللجنة مايكل غيست إن اللجنة تحتاج إلى موارد إضافية، مشيراً إلى أنها حققت منذ عام 2017 في 20 قضية، لكنها لم تكشف سوى أسماء 15 عضواً. من جانبه، تعهد رئيس مجلس النواب مايك جونسون بإجراء إصلاحات جديدة، مؤكداً أن القضية تمثل أهمية شخصية له لأن اثنتين من بناته تعملان في الكابيتول. وختم أحد النواب حديثه بأن التغيير الحقيقي «قد يتطلب أن تقوم النساء بحرق النظام القائم بالكامل»، في إشارة لحجم الغضب المتصاعد.


