تحولات خطيرة في استراتيجية تنظيم داعش في سوريا
يشهد المشهد الأمني السوري تطورات متسارعة تثير القلق، حيث يلاحظ المراقبون عودة ملحوظة لنشاط تنظيم داعش في سوريا. لقد تخلى التنظيم الإرهابي عن استراتيجيته القديمة المتمثلة في السيطرة المكانية المفتوحة، لينتقل بشكل كامل إلى تكتيكات حرب العصابات. يعتمد التنظيم حالياً على خلايا نائمة نشطة تتمركز في البادية السورية ومناطق شرق الفرات، مستغلاً حالة الفوضى والهشاشة الأمنية التي تلت التغيرات السياسية والميدانية الأخيرة في البلاد.
السياق التاريخي: من السيطرة المكانية إلى حرب الصحراء
لفهم طبيعة هذا التحول، يجب النظر إلى الجذور التاريخية للحدث. فبعد أن أعلن التنظيم سيطرته على مساحات شاسعة في عام 2014، تعرض لهزائم عسكرية متتالية أفقدته معاقله الحضرية بحلول عام 2019. منذ ذلك الحين، اتخذت فلول التنظيم من التضاريس الوعرة في البادية السورية ملاذاً آمناً ونقطة انطلاق لعملياتها. هذا التموضع الجغرافي المعقد سمح للتنظيم بإعادة ترتيب صفوفه بعيداً عن الرصد المكثف، والتحضير لمرحلة جديدة تعتمد على الاستنزاف والضربات الخاطفة بدلاً من المواجهات العسكرية المباشرة.
اختراق أمني في دمشق: اغتيال الشيخ فرحان المنصور
في تطور أعاد المخاوف الأمنية إلى الواجهة، أعلن التنظيم مسؤوليته عن عملية اغتيال مدبرة استهدفت رجل الدين الشيعي البارز، الشيخ فرحان حسن المنصور، خطيب وإمام مقام السيدة زينب. وقع الهجوم في الأول من مايو الجاري داخل منطقة السيدة زينب، وهي منطقة تتسم بحساسية أمنية ودينية بالغة، وارتبطت لسنوات بالنفوذ الإيراني وتمركز الفصائل الحليفة لطهران تحت شعار «حماية المقامات».
أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بأن الهجوم نُفذ عبر إلقاء قنبلة يدوية داخل سيارة المنصور عقب خروجه من المقام. وقد نقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا» عن مصدر في وزارة الداخلية أن الشيخ توفي متأثراً بجراحه، بينما أسفر الانفجار عن إصابة عدد من مرافقيه ومدنيين تصادف وجودهم في الموقع. وقد نعت المؤسسات الدينية الشيخ المنصور، واصفة إياه بـ«شهيد المنبر»، ومشيدة بخطابه الداعي للتهدئة والوحدة.
التداعيات الأمنية وتأثير عودة التنظيم محلياً ودولياً
إن أهمية هذا الحدث تتجاوز مجرد كونه عملية اغتيال فردية؛ فهو يحمل رسائل خطيرة ذات تأثير محلي وإقليمي ودولي. على الصعيد المحلي، أثار الاغتيال حالة استنفار واسعة داخل العاصمة دمشق، حيث سارعت القوات الأمنية لتطويق المنطقة وفرض إجراءات مشددة. كما كشفت وسائل إعلام سورية عن تمكن الأجهزة الأمنية من تفكيك خلية مؤلفة من ثلاثة أشخاص قدمت دعماً لوجستياً للمهاجمين.
إقليمياً ودولياً، يُظهر هذا الهجوم قدرة التنظيم على اختراق مناطق شديدة التحصين، مما يهدد بإعادة إشعال التوترات الطائفية. التغيرات التي شهدتها البلاد عقب سقوط نظام بشار الأسد في نهاية عام 2024، وما تبعها من إعادة تموضع للقوى العسكرية، أوجدت ثغرات أمنية خطيرة. المجتمع الدولي يراقب بقلق هذا التصعيد، حيث أن استعادة التنظيم لقدراته العملياتية قد تعني عودة التهديدات العابرة للحدود، مما يستدعي يقظة أمنية لمواجهة هذا الخطر المتجدد.
ملامح النشاط الحالي لـ تنظيم داعش في سوريا
يعتقد المحللون أن هذا النوع من العمليات يكشف بوضوح عن الاستراتيجية الحالية للتنظيم، والتي يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
- التحول الجذري نحو تنفيذ هجمات سريعة ومباغتة تعتمد على تكتيكات حرب العصابات.
- اتخاذ الخلايا النائمة من مناطق البادية السورية الوعرة منطلقاً رئيسياً لتخطيط وتنفيذ العمليات.
- تركيز الخطاب والعمليات ضد السلطات السورية الجديدة والشخصيات الدينية لزعزعة الاستقرار.
- تكثيف الهجمات الطائفية والاغتيالات، كما حدث سابقاً مع مقتل رجل الدين رسول شحود في ريف حمص عام 2025.
- استغلال التحولات الميدانية والهشاشة الأمنية الحالية لإعادة إثبات الحضور وتجنيد عناصر جديدة.


