كشفت تقارير إعلامية حديثة، أبرزها ما نشرته شبكة CNN، عن تصاعد غير مسبوق في نفوذ التيار المتشدد داخل طهران، وهو ما يلقي بظلاله الثقيلة على مسار المفاوضات الأمريكية الإيرانية. وتعمل هذه الفصائل المتشددة بشكل حثيث على عرقلة أي فرص حقيقية للتوصل إلى اتفاق شامل مع الولايات المتحدة الأمريكية. يأتي هذا التعنت في وقت حساس تتعثر فيه المباحثات الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء حالة الحرب والصراع المستمر منذ أكثر من شهرين بين واشنطن وطهران، مما يضع المنطقة بأسرها على صفيح ساخن.
جذور التعقيد في المفاوضات الأمريكية الإيرانية وتاريخ جبهة بايداري
لفهم المشهد الحالي، يجب النظر إلى السياق التاريخي للتيارات السياسية في إيران. تُعرف الجماعة التي تقود هذا الحراك المعرقل داخلياً باسم «جبهة بايداري» (جبهة ثبات الثورة الإسلامية)، وهي تُصنف ضمن أكثر التيارات السياسية الإيرانية تشدداً وراديكالية. تأسست هذه الجبهة في عام 2011، ولطالما اعتبرت نفسها الحارس الأمين لمبادئ ثورة 1979. تاريخياً، عارضت هذه الجبهة بشراسة أي تقارب مع الغرب، وكانت من أبرز المعارضين للاتفاق النووي المبرم عام 2015، حيث ترى في أي انفتاح سياسي أو تفاهمات مع الولايات المتحدة تهديداً وجودياً لأيديولوجيتها.
وقد كثفت «جبهة بايداري» مؤخراً تحركاتها الممنهجة عبر وسائل الإعلام المحلية، وأروقة البرلمان، وحتى في الشارع الإيراني، للتحريض المباشر ضد أي تسوية محتملة. وتتبنى الجبهة خطاباً حاداً يعتبر أن طهران لن تحصل على اتفاق جيد إلا عبر «هزيمة واشنطن»، رافضةً مبدأ التنازلات المتبادلة الذي تُبنى عليه الدبلوماسية الدولية، ومؤكدة أن مجرد التفكير في اتفاق يمثل استسلاماً سياسياً.
صراع النفوذ الداخلي وتصدع القيادة الإيرانية
يعزز هذا المشهد المعقد تصريحات سابقة للرئيس الأمريكي دونالد ترمب ووزير خارجيته ماركو روبيو، حيث أشارا بوضوح إلى وجود انقسامات حادة وعميقة داخل هيكل النظام الإيراني، خاصة بعد أسابيع من اندلاع المواجهات. وتُعطي هذه الانقسامات لمحة واضحة عن حجم الصراعات الداخلية العنيفة التي تشهدها إيران، لا سيما في ظل التنافس المتزايد بين مراكز القوى المختلفة للسيطرة على القرار السيادي في أوقات الأزمات الكبرى.
وخلال الأسابيع الأخيرة، صعدت الجبهة المتشددة من وتيرة انتقاداتها اللاذعة للمفاوضين الإيرانيين. هذا التخبط الداخلي دفع إدارة ترمب، وفقاً لمراقبين ومحللين سياسيين، إلى وصف القيادة الإيرانية الجديدة بأنها «منقسمة ومتصدعة ومضطربة»، مما يقلل من فرص التزام طهران بأي تعهدات طويلة الأمد، ويجعل من مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل بمثابة «معركة أبدية» في نظر المتشددين.
التداعيات الإقليمية: مخاوف إسرائيل من الاتفاق الجزئي
على الصعيد الإقليمي، يحمل هذا الحدث أهمية كبرى وتأثيراً مباشراً على التوازنات الأمنية في الشرق الأوسط. ففي غضون هذه التطورات، تتصاعد المخاوف بشكل كبير داخل الأوساط السياسية والأمنية في إسرائيل من احتمال اتجاه واشنطن نحو إبرام اتفاق جزئي أو مؤقت مع إيران. وتكمن الخشية الإسرائيلية في أن اتفاقاً من هذا النوع سيمنح طهران مساحة لالتقاط الأنفاس والاحتفاظ بجزء كبير من قدراتها النووية والصاروخية دون رادع حقيقي.
وقد ذكرت صحيفة «إسرائيل هيوم» أن مسؤولين إسرائيليين كباراً يعتبرون هذا المسار بمثابة «السيناريو الأسوأ». فالقادة في تل أبيب يرون أن الاتفاق المؤقت لا يقدم حلاً جذرياً وشاملاً للملف النووي الإيراني، ولا يضمن تفكيك البنية التحتية النووية بالكامل، كما أنه يتجاهل وقف برامج الصواريخ الباليستية ووقف الدعم المالي والعسكري للوكلاء الإقليميين. وبحسب التقديرات الإسرائيلية، فإن أي اتفاق جزئي لن يضمن إخراج اليورانيوم المخصب من الأراضي الإيرانية، ولن يمنعها من استئناف عمليات التخصيب مستقبلاً، فضلاً عن أن الرقابة الدولية على المنشآت ستكون محدودة وغير كافية لتلبية المطالب الأمنية الإسرائيلية.
مستقبل التسوية: مذكرات تفاهم قصيرة الأجل
في المقابل، لا تزال الإدارة الأمريكية تنتظر الرد الإيراني الرسمي على أحدث مقترحاتها الرامية إلى وقف الحرب وفتح باب المفاوضات بشأن ملفات حساسة. وكان ترمب وروبيو قد أكدا أن الرد الإيراني متوقع قريباً جداً، إلا أن مرور الوقت دون أي تقدم ملموس زاد من حالة الشكوك والضبابية حول مستقبل العملية السلمية.
وتشير المعطيات إلى أن الولايات المتحدة قدمت مؤخراً مقترحاً معدلاً يقوم على فكرة اتفاق محدود ومؤقت لوقف القتال، وذلك عبر توقيع مذكرة تفاهم قصيرة الأجل بدلاً من معاهدة سلام شاملة. هذا التوجه يعكس بوضوح عمق الخلافات الاستراتيجية بين الطرفين، ويؤكد صعوبة التوصل إلى تسوية نهائية ومستدامة في المرحلة الحالية، خاصة مع استمرار هيمنة الأصوات المتشددة على دوائر صنع القرار في طهران.


