يشهد الصراع العسكري في السودان منعطفاً خطيراً وتصعيداً غير مسبوق في التصريحات بين طرفي النزاع. فقد جدد رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني وقائد الجيش، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، رفضه القاطع لأي تفاوض أو سلام مع قوات الدعم السريع، التي وصفها بـ”المرتزقة والتمرد”. يأتي هذا الموقف الحازم بعد ساعات قليلة من تصريحات نارية أطلقها قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، لوّح فيها باستعداد قواته لاستمرار الحرب حتى عام 2040، مما يعكس اتساع فجوة الحل السياسي وتعقد المشهد الميداني.
جذور الأزمة وتطورات الصراع العسكري في السودان
لفهم أبعاد هذا التصعيد، يجب العودة إلى الجذور القريبة للأزمة. اندلع النزاع المسلح في منتصف أبريل من عام 2023، إثر خلافات عميقة حول خطة دمج قوات الدعم السريع في صفوف الجيش الوطني السوداني، وهو ما كان يمثل جزءاً أساسياً من الاتفاق الإطاري الرامي إلى تسليم السلطة للمدنيين. منذ ذلك الحين، تحولت العاصمة الخرطوم وعدة ولايات، أبرزها إقليم دارفور، إلى ساحات معارك طاحنة. هذا الانقسام لم يكن وليد اللحظة، بل هو نتاج تراكمات سياسية وعسكرية معقدة أعقبت الإطاحة بنظام عمر البشير في عام 2019، حيث تقاسم الطرفان السلطة خلال فترة انتقالية هشة انتهت بصدام مسلح مفتوح.
البرهان يتمسك بـ”معركة الكرامة” ويرفض التسوية
وفي أحدث ظهور له، أدى الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان صلاة الجمعة في مسجد حي الروضة بمنطقة الدروشاب بمحلية بحري. ومن هناك، وجه رسائل حاسمة، مؤكداً المضي قدماً في ما يطلق عليه الجيش “معركة الكرامة” حتى القضاء التام على التمرد. وشدد البرهان على أن الشعب السوداني يقف صفاً واحداً خلف القوات المسلحة، التي وصفها بأنها “صمام أمان السودان”. وأضاف بلهجة صارمة أن محاولات اختطاف الدولة السودانية قد تكسرت أمام إرادة الشعب، مجدداً رفضه لأي تسوية سياسية لا ترضي طموحات السودانيين، مع إبقاء الباب مفتوحاً فقط لمن يلقي السلاح.
حميدتي والتلويح بحرب استنزاف طويلة الأمد
على الجانب الآخر، ظهر محمد حمدان دقلو (حميدتي) في خطاب ميداني مصور بعد غياب طويل، موجهاً حديثه لقادة وضباط قواته في ولاية جنوب دارفور. حمل الخطاب طابع التعبئة العسكرية الشاملة، حيث أعلن صراحة استعداد قوات الدعم السريع لمواصلة القتال لعقود قادمة، مشيراً إلى إمكانية استمرار الحرب حتى عام 2040 إذا استدعت الظروف. واعتبر حميدتي أن قيادة الجيش تنظر إلى دعوات التفاوض على أنها “علامة ضعف”، نافياً أن تكون قواته تبحث عن السلام من موقف تراجع، ومؤكداً في الوقت ذاته أن استمرار القتال لن يحقق مكاسب استراتيجية لأي طرف، بل يزيد من دمار البلاد.
التداعيات الإقليمية والدولية لاستمرار المعارك
إن هذا التضخم في الخطاب العسكري يحمل في طياته تداعيات كارثية على كافة الأصعدة. محلياً، يدفع المدنيون الثمن الأكبر، حيث أسفرت المعارك عن أزمة إنسانية غير مسبوقة، تمثلت في نزوح الملايين داخلياً وخارجياً، وانهيار شبه تام للبنية التحتية والقطاع الصحي، فضلاً عن شبح المجاعة الذي يهدد مناطق واسعة.
أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن إطالة أمد الحرب تنذر بزعزعة استقرار منطقة القرن الأفريقي ودول الجوار التي تعاني أساساً من هشاشة أمنية. وتتزايد المخاوف الدولية من تحول السودان إلى بؤرة لاستقطاب الجماعات المسلحة والتدخلات الخارجية. يرى المراقبون أن تمسك الجيش بخيار الحسم العسكري، مقابل استعداد الدعم السريع لحرب استنزاف طويلة، يقلص من فرص نجاح المبادرات الدبلوماسية، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تاريخية للضغط على الأطراف المتنازعة للعودة إلى طاولة الحوار وتجنيب البلاد سيناريو الانهيار الشامل.


